لغة السياسة تحمل كثيراً من الكذب، وتتضمن قدراً واسعاً من المناورات، والمراوغة والمبالغات والمجاملات، أكثر من أي لغة أخرى.
وفي أحيان كثيرة، تُفرط الدول في الكذب، والحروب الإعلامية، والمناورات السياسية لكسب الوقت لا أكثر.
وتتميز إيران بلغة سياسية يغلب عليها الكذب، إلى درجات مفضوحة؛ فطهران تتبادل أدواراً هزيلة بين الحرس الثوري، وتعليمات تُنسب إلى مجتبى، وريث عرش ولاية الفقيه، ووالده خامنئي، فيما يبدو الرئيس بزشكيان مجرد واجهة سياسية فاقدة لقرارها. ومع ذلك، يبقى الكذب، والمراوغة جزءاً أصيلاً من السلوك السياسي الإيراني.
ويستحق نظام الملالي الشفقة؛ فقد سقطت رؤوس، دينية وعسكرية، بارزة من الحرس الثوري، في مشهد يعكس هزيمة أكثر مما يوحي بانتصار. فالنظام الثيوقراطي يقوم أساساً على رموزه، الدينية والثورية، وكثير من تلك الرموز بات اليوم تحت التراب.
في المقابل، برهنت دول "مجلس التعاون" الخليجي على امتلاكها قوة ردع عسكرية متقدمة في مواجهة الاعتداءات الإيرانية المباشرة، أو عبر الوكلاء والعملاء، خصوصاً في العراق، إلى جانب الاشتباكات العسكرية، التي خاضتها بعض دول الخليج رداً على العدوان السافر.
كما راهنت طهران، خلال الحرب، على ممارسة ضغوط، سياسية وديبلوماسية، على دول الخليج لوقف الضربات الأميركية، ثم عادت لاحقاً إلى لغة التهديد بتوسيع نطاق الحرب لترهيب دول الخليج، رغم أن الحسابات، العسكرية والسياسية، لا تصب في صالح إيران إطلاقاً.
وجدلاً، إذا أقدمت إيران على استهداف دول الخليج عسكرياً، بصورة مباشرة، أو عبر وكلائها، فهل ستكون الحسابات الأميركية والخليجية كما كانت قبل الهدنة؟ بالتأكيد لا.
فالاشتباك العسكري مع دول الخليج يعني منح واشنطن أهدافاً جديدة، تتجاوز ما أُعلن قبل الحرب، وأثناءها، وحتى خلال مرحلة المفاوضات، وقد يقود ذلك إلى قرار حاسم بإسقاط نظام الملالي.
وقد يتطور الهدف الأميركي أيضاً إلى توجيه ضربات للميلشيات في العراق، في إطار إنهاء حالة انفلات السلاح، وتقليص النفوذ الإيراني الممتد، سياسياً وطائفياً واجتماعياً، داخل العراق.
الحرب مع إيران ليست حرباً كلامية، ولا مجال فيها لقمع العواطف، أو إنكار الحقائق والوقائع.
لقد خسرت إيران، دون شك، دول الخليج، ما يجعل ترميم العلاقات أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن نظام الملالي، ودستوره الثوري، يمثلان مصدر قلق للشعب الإيراني ولدول الخليج، والمنطقة بأسرها.
إنها مسألة وقت لا أكثر حتى تتكشف هشاشة الأكاذيب الإيرانية، وينتهي سيناريو المراوغة والمماطلة، وأوهام الانتصار؛ فالقرار السياسي والعسكري، وقرار الحرب والسلم، يُصنع في واشنطن أكثر مما يُصنع في طهران.