في الحرب الأخيرة، جرى تركيز الإعلام الغربي، وبعض العربي، على دبي، لسبب بسيط وهو أن هؤلاء أرادوا أن يضربوا النموذج التنموي الخليجي، لأن هذه المدينة أشهر وجهة خليجية عالمياً حالياً، فإن تشويه صورتها يعني تشويه الخليج العربي كله.
لكن لمن يعرف دبي تحديداً، والإمارات على وجه العموم، يدرك أن هذه الإمارة خصوصاً، والدولة عموماً تصاب بحمى، لكنها لا تموت، فهي التي شغلت العالم في السنوات الأخيرة، حين استطاعت خلال ثلاثة عقود أن تتحول من مجرد إمارة تعتمد على النفط، إلى وجهة إنمائية كبيرة، محركة للاقتصادات الإقليمية، وكذلك علامة فارقة تتمثل في الإصرار على الإنجاز مهما كانت الظروف.
ففي العام 2004، قال محمد بن راشد أمام الحاضرين في مؤتمر "منتدى الستراتيجية العربي" إن: "عوائد النفط لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي (حينها نحو 7 في المئة)، والإمارات تستعد مبكراً لتنويع مصادر الدخل".
إن هذه الرؤية ليست وليدة اللحظة، بل تقوم على خطة طويلة الأمد، حتى لو كانت الظروف أو الأزمات شديدة الوطأة، إلا أن ذلك لا يمنع الدول القوية من التكيف مع الظروف.
ولهذا، المعروف أن الناس في الحروب تأخذ حذرها، ومن ليس لديه عمل مهم ربما يسافر إلى بلاده، إلا أن هذا لا يعني تعطل البلاد، لكن الدعاية السلبية الغربية عن "أن نموذج دبي الذي انتهى"، لم يكن واقعياً، وهو محاولة تشويه صورة العرب عموماً، والخليجيين على وجه الخصوص، غير أن الحملة فشلت.
فجملة المشاريع المعلن عنها في إماراة دبي تحديداً، والإمارات، بل في عموم الخليج العربي، تؤكد أن هذه الدول قادرة على تجاوز الأزمات بكل مرونة، بل هي تحولها إلى فرص.
وفي هذا الشأن، أذكر في سنوات ماضية، وحين كان الشيخ محمد بن راشد ولياً لعهد دبي، وفي اجتماع عقد في الكويت لوزراء الخارجية والدفاع، كان الرجل صامتاً، فتوجه إليه الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، قائلاً: بماذا تفكر يا شيخ محمد؟
أجاب: "أفكر كيف نحول دبي إلى وجهة سياحية ومالية كبيرة". فقال الشيخ صباح: "وهل الطقس يساعد على ذلك والأجواء الإقليمية؟".
اليوم، دبي ليست فقط وجهة سياحية، بل إنمائية بامتياز، جالبة رؤوس الأموال من كل بقاع الأرض، وكما تغلبت على الأزمات الماضية، وخرجت منها أقوى، ها هي اليوم، تنهض من هذه الأزمة، فمن يطلع على خططها العمرانية والاستثمارية الحالية، يعرف إلى أين تسير، لهذا فهي بدأت بتنفيذ 11 مشروعاً كبيراً، وكلها تؤدي إلى تعزيز ريادتها، من الممشى الأزرق إلى مطار آل مكتوم، الذي تصل طاقته الاستيعابية إلى نحو 260 مسافراً، وصولاً إلى أكبر "مول" في المنطقة، وإنفاق تحت أرضية للمترو.
إن الشيخ محمد بن راشد، يعمل بمقولة وزير الدفاع الأميركي الأسبق جورج مارشال "حين تسمع هدير المدافع، ابدأ بالتخطيط للإعمار، وحين تسمع موسيقى السلام ابدأ بالاستثمار".
وعلى هذا الأساس، فإن دبي، والإمارات عموماً، تبني في كل الظروف، وترفع الأبراج عالياً، في حين تعمل على الاستثمار في الإنسان أيضاً، فاليوم هناك الكثير من الطاقات البشرية الإماراتية تعمل على بناء المعرفة، جنباً إلى جنب مع بناء العمران.
إن هذه الشواهد تدحض كل ما كان يعمل عليه الإعلام الغربي لتشويه صورة دبي النموذج الخليجي، لأن هناك من وعى ومنذ 50 عاماً، أكان الشيخ راشد آل مكتوم، رحمه الله، أو الشيخ محمد بن راشد، أن البناء العمراني والمعرفي يرسخ أسس الدولة القادرة على التطور في كل الظروف.