الاثنين 27 يوليو 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عنيزة... المدينة التي لا تُزار بل تُعاش
play icon
كل الآراء

عنيزة... المدينة التي لا تُزار بل تُعاش

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 27 يوليو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

هناك مدن نمر بها مروراً عابراً، وهناك مدن تمر هي في أعماقنا، فتترك أثراً لا يزول... وهكذا كانت عنيزة.

لسنوات طويلة كنت أعرفها من نافذة السيارة، محطة جميلة على طريق المسافرين إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، لكنني لم أتخيل يوماً أن خلف تلك الطرق الهادئة، مدينة تزخر بهذا القدر من الجمال، والتاريخ، والإنسان.

جاءتني دعوة كريمة من أخي العزيز الدكتور عبدالرحمن الجابر (أبو ناصر)، فكانت بداية رحلة ستبقى من أجمل الرحلات التي عشتها في المملكة العربية السعودية.

منذ اللحظات الأولى شعرت بأن عنيزة لا تستقبل زائرها بالمباني أو الشوارع، بل تستقبله بقلوب أهلها... مدينة أنيقة تجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، شوارعها واسعة، وأسواقها القديمة لا تزال تحتفظ بروح الزمن الجميل، بينما تعكس أسواقها الحديثة، ومطاعمها، ومزارعها، واستراحاتها حيوية مدينة تعرف كيف تحافظ على تراثها، وهي تتطلع إلى المستقبل.

أما أكثر ما أدهشني فكان طقسها! ففي أواخر شهر يوليو، وبينما يشتد الحر في معظم مدن الخليج، كانت ليالي عنيزة باردة بنسيم عليل، يجعل المرء ينسى أنه في قلب الصيف.

لكن أجمل ما خرجت به من هذه الزيارة، لم يكن جمال المكان وحده، بل جمال الإنسان، فقد لمست في كل من التقيته محبة صادقة للكويت وأهلها، وكرماً فطرياً يجعل الضيف يشعر كأنه بين أهله.

وكان يرافقنا في هذه الرحلة الأخ الكريم سليمان بن عبدالرحمن الريش، الذي أضفى على جولتنا متعة خاصة، حيث اتجهنا إلى محافظة البكيرية، إحدى أجمل مدن القصيم، لزيارة اثنين من أبرز معالمها التراثية: مقصورة السويلم، ومقصورة الراجحي.

كانت محطتنا الأولى مقصورة السويلم، حيث استقبلنا الأستاذ محمد المسلم (أبو إبراهيم)، الذي أخذنا في رحلة شيقة بين صفحات التاريخ، يروي الحكايات بشغف ومحبة، وكأنه يعيد إحياء أحداث مضى عليها قرون.

تعرفنا إلى سبب تسمية البكيرية، وإلى قصة أسرة السويلم، وكيف بنى أمير البكيرية عبدالله بن سويلم بن عثمان آل سويلم هذه المقصورة عام 1240هجرية، مع بدايات الدولة السعودية الثانية، لتصبح فيما بعد أحد أبرز المعالم التاريخية في منطقة القصيم.

وتزداد قيمة المكان عندما تعلم أن الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، زار هذه المقصورة بعد معركة البكيرية بثلاث سنوات، فبقيت شاهدة على مرحلة مهمة من تاريخ توحيد المملكة.

ثم اصطحبنا أبو إبراهيم إلى البئر القديمة، وشرح لنا كيف كان الآباء والأجداد يحفرون الآبار بوسائل بسيطة، قبل أن ندخل إلى قلب المقصورة، فنشاهد غرفها، ومخازن التمور، ومكان إعداد الطعام، والمجلس الذي جلس فيه الملك عبدالعزيز، أثناء زيارته التاريخية.

وبعد انتهاء الجولة، جلسنا في الديوان المفتوح لاستقبال الضيوف، حيث تذوقنا رطب المزرعة وتمورها، والكليجة المصنوعة بزيت الزيتون، مع فنجان من القهوة العربية الأصيلة، في مشهد يجسد أصالة الكرم النجدي، الذي لا يزال حاضراً حتى اليوم.

غادرنا مقصورة السويلم، ونحن نحمل معنا ذكريات لا تُنسى، واتجهنا إلى مقصورة الراجحي، حيث وصلنا مع أذان المغرب، وكان في استقبالنا الأستاذ يوسف الراجحي (أبو عبدالرحمن) مدير المشروع.

صلينا المغرب في مسجد المقصورة، ذلك المسجد العتيق الذي تشعر بين جدرانه أن الزمن توقف احتراماً للمكان، وأن أصوات المصلين الذين تعاقبوا عليه عبر عشرات السنين، ما زالت تتردد في أرجائه.

وهناك… بدأت حكاية أخرى، سيكون لها حديث مستقل في الجزء الثاني... بإذن الله.