كان الجميع مقتنعين أن سبب المشكلة واضح. تعاقبت الآراء، وتعددت التفسيرات، وتراكمت الأدلة، حتى بدا أن الحقيقة لم تعد تحتاج إلى نقاش.
لكن مراجعة صغيرة كشفت أن أول معلومة بُني عليها كل ذلك كانت خاطئة. في لحظة واحدة، لم تسقط نتيجة واحدة، بل انهارت سلسلة كاملة من الاستنتاجات، التي بدت قبل دقائق في غاية المنطق، واكتشف الجميع أن الثقة التي منحوها للنتائج، كانت أكبر من الثقة التي منحوها للمقدمة الأولى.
هذا ما يحدث في حياتنا أكثر مما نتصور. فنحن لا نخطئ دائماً لأننا نفكر بطريقة سيئة، بل لأننا نبدأ من فكرة لم نختبرها بما يكفي. وما إن نطمئن إليها، حتى يتولى العقل مهمة البناء فوقها، طبقة بعد أخرى، حتى تصبح أشبه بحقيقة يصعب الاقتراب منها، ويغدو التشكيك فيها، وكأنه تشكيك في قدرتنا على التفكير، لا في الفكرة نفسها.
ولهذا نسيء فهم المنطق. فنحن نتوقع منه أن يكتشف الحقيقة، بينما وظيفته مختلفة تماماً. فهو لا يختار نقطة البداية، ولا يتحقق من سلامتها، إنما يستقبلها كما هي، ثم يربط بينها وبين ما يليها وفق قواعد دقيقة.
فإذا كانت البداية صحيحة، قادتنا إلى نتيجة صحيحة، وإذا كانت البداية مضللة، أوصلتنا إلى نتيجة مضللة بالدرجة نفسها من الإتقان. فالمنطق لا يصنع الحقيقة، بل يكشف فقط ما يمكن أن تنتجه المقدمات التي وُضعت بين يديه.
ومن هنا يمكن أن يختلف شخصان عاقلان، يملكان القدر نفسه من الذكاء، ويستخدمان الأسلوب نفسه في التفكير، ثم ينتهي كل واحد منهما إلى قناعة مختلفة تماماً. فالاختلاف لم يبدأ عند المنطق، إنما سبق المنطق نفسه، يوم اختار كل واحد منهما الفكرة الأولى التي انطلق منها، أو ورثها، أو تلقاها من بيئته، ثم تعامل معها على أنها حقيقة لا تحتاج إلى إعادة نظر. وهنا تكمن الخدعة الحقيقية. فالمنطق ليس قاضياً يبحث عن الحقيقة، بل محامٍ يدافع بإخلاص عن أول افتراض وثقنا به. وكلما طال بقاؤه في عقولنا، ازداد عدد الأدلة التي نسوقها لحمايته، لا لأنه أصبح أصح، بل لأننا أصبحنا أكثر ارتباطاً به، وأكثر ميلاً إلى تجاهل كل ما قد يهدد استقرار الصورة التي رسمناها لأنفسنا.
ولذلك فإن كثيراً من خلافات البشر لا تدور حول الوقائع، إنما حول بدايات مختلفة، لا يلتفت إليها أحد. وكل طرف يظن أنه يناقش النتائج، بينما جذور الخلاف مختبئة في افتراض قديم لم يخضع للمراجعة، منذ اللحظة الأولى، وربما لم يسأل صاحبه نفسه يوما: كيف وصلت أصلاً إلى هذه الفكرة؟
لذلك، قبل أن تسأل نفسك: هل كانت النتيجة صحيحة؟، اسأل سؤالاً أكثر أهمية: هل كانت الفكرة الأولى تستحق أن أبني عليها كل ما جاء بعدها؟.
فالعقل لا يخدعنا عندما يستخدم المنطق، إنما يخدعنا عندما يمنح ثقته الأولى بسهولة، ثم يجعل المنطق حارساً لها حتى النهاية.
كاتب كويتي