التنمية المستدامة لا تقتصر على المشاريع الكبرى، فهذه محركات مهمة، لكنها لا تصنع اقتصاداً محلياً إذا اقتصر الأمر عليها، لأن المطلوب عوامل مساعدة، ومحفزة لتحريك السوق المحلية.
على هذا الأساس، لا يكون تحريك السوق بقرارات تحد من الحركة الاقتصادية، فهذا يعني تحفيز الإنفاق في الخارج، بينما دورة المال الحقيقية تكون في تدوير الأموال محلياً، والحد من إنفاق الهدر في الخارج، وهنا أتحدث عن السياحة المحلية، فالكويت تعيش نحو ستة أشهر في درجات حرارة عالية، ورغم ذلك هناك الكثير من المرافق التي إذا استُغلت بالشكل الصحيح تقدم الكثير من الفوائد للبلاد، وتنعش الاقتصاد المحلي.
من هذه المرافق، الحيازات الزراعية، إذ صحيح أنها لخدمة الأمن الغذائي، وقد أثبت أصحابها تفانيهم في هذا المجال، ولقد شهدنا ذلك في أزمات ماضية، لكنها مكلفة جداً على المزارع، والدعم، مهما كان كبيراً، لا يخدم الاستمرارية.
هذه النقطة تنبهت لها الدول المجاورة، والمشابهة لنا في الطقس، وكذلك العادات والتقاليد، لهذا، فالإمارات، على صعيد المثال، سمحت لأصحاب المزارع باستغلال بعض مساحاتها لإقامة استراحات للترفيه عن الناس، في سياحة محلية، وكذلك تنشيط الإنتاج المحلي وسوق التجزئة من خلال البيع المباشر من المزرعة إلى الزبون الزائر لقضاء إجازة نهاية الأسبوع.
كذلك الأمر في المملكة العربية السعودية، وبهذا شجعت الاستثمار المحلي الصغير، الذي أدى إلى وجود مبادرين مواطنين، يعملون في قطاعات عدة تخدم هذه المرافق، ما سمح بتحريك الاقتصاد المناطقي.
في الجانب الآخر، إن القسائم الصناعية، تعرضت من خلال قرارات جديدة إلى كبح جماح المبادرة الفردية للأشخاص، وأصحابها، لأنها منعت استغلالها بما يخدم الحركة الاقتصادية العامة، أكان ذلك عبر منع تأجير مساحات منها للعمل المساعد لما تنتجه، أو عدم السماح باقتطاع جزء منها لسكن عمالها، الذين سيكونون أكثر قدرة على الإنتاج، لأنهم قريبون من مكان عملهم، ولا هي في الوقت نفسه سمحت ببيعها، وبهذا سدت أبواب التطوير في هذه القطاعات.
في مجالات أخرى، أيضاً جعلت القرارات الأخيرة الناس يتكبدون خسائر كان يمكن تفاديها، عبر التنظيم الذكي للمظلات، مثلاً، أو المساحات أمام البيوت، التي كان يمكن أن تستغل في زراعة حدائق، وهي تخدم غرضين مهمين، أولاً بيئي، وثانياً اقتصادي واجتماعي في الوقت نفسه، فهذه المساحات إذا بقيت فضاء تزيد من التكاليف على البيئة، والناس أيضاً، وتسببت بأضرار كثيرة، وفي الظروف البيئية المحلية، فالكويت بغنى عنها.
لذا، إن الحلول موجودة، لكنها تحتاج إلى قرارات صحيحة تخدم التنمية المستدامة، فعلى صعيد المثال، فرض رسوم على هذه المساحات المستغلة أمام البيوت، أو تشارك الدولة في أرباح إنتاج القسائم المتنوعة النشاط، بعد بيعها إلى أصحاب القسائم، والحيازات، فإن ذلك يساعد على تطوير بيئة الأعمال في البلاد، ويخفض الكثير من التكاليف، وفي الوقت نفسه يساعد المشاريع الكبرى في عملية التطوير التنموي.
إن التغييرات الإقليمية السياسية اقتصادية بحت، وإذا لم تكن هناك خطة واقعية مدروسة، فإن القطار سيفوت الكويت، دون تحصيل فوائد كبرى، كما هو مأمول، بينما الخدمات التي تقدمها بيئة الأعمال تشجع على الاستقرار الاقتصادي، وكذلك تساعد على تحصيل فوائد تنهض بالمشاريع الكبرى، لأنها عملية متكاملة، فالمشروع الكبير يحتاج إلى منافذ وأدوات مساعدة محلية، تتصل بالإنسان، وتشجع المبادرة الفردية التي قامت عليها الكويت منذ القدم.
يا جماعة عمر الحسد والتحاسد ما يعمّر البلدان.