خمس سنوات إلى 2030: ماذا يقول تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لصناع القرار في العالم العربي؟
لم يعد التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، بشأن التقدم المحرز في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، مجرد وثيقة إحصائية تُعرض على المنتدى السياسي رفيع المستوى، بل أصبح بمثابة "تقرير حالة العالم"، الذي يقيس قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بأحد أكبر الالتزامات التنموية في التاريخ الحديث.
ويأتي إصدار يوليو 2026 في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ لم يتبق على الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة سوى أقل من خمس سنوات، وهي فترة لا تسمح بمزيد من التأجيل بقدر ما تفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتسريع وتيرة التنفيذ. وربما تكمن القيمة الحقيقية للتقرير في أنه لا يدعونا إلى قراءة الأرقام بحد ذاتها، إنما إلى قراءة الاتجاهات التي ترسمها تلك الأرقام. فالتقرير يوضح أن العالم حقق تقدماً ملموساً في عدد من المجالات، مثل اتساع نطاق الوصول إلى الكهرباء والإنترنت، وتحسن خدمات المياه والصرف الصحي، وتراجع وفيات الكوارث الطبيعية، فضلاً عن استمرار الإنجازات في مكافحة بعض الأمراض المعدية.
وهذه المؤشرات تؤكد أن أهداف التنمية المستدامة ليست طموحات نظرية، إنما إطار عمل أثبت قدرته على تحقيق نتائج عندما تتوافر الإرادة السياسية، والاستثمار المؤسسي.
غير أن الوجه الآخر للصورة يبدو أكثر تعقيداً. فالتقرير يشير إلى أن نسبة محدودة فقط من غايات التنمية تسير على المسار المطلوب، بينما تشهد غالبية الغايات تباطؤاً أو ركوداً، بل إن بعضها يسجل تراجعاً مقارنة بخط الأساس لعام 2015. وهذه ليست مجرد فجوة في الأداء، وإنما مؤشر على أن البيئة العالمية التي وُلدت فيها "أجندة 2030" قد تغيرت جذرياً.
لقد دخل العالم خلال العقد الماضي مرحلة تتداخل فيها الأزمات بصورة غير مسبوقة؛ فمن جائحة عالمية إلى اضطرابات اقتصادية، ومن نزاعات مسلحة، إلى موجات تضخم وديون، ومن تسارع آثار تغير المناخ إلى اختلال سلاسل الإمداد، أصبحت التنمية تعمل في بيئة أكثر هشاشة وتعقيداً.
ومن هنا فإن التقرير لا يتحدث عن كل أزمة بمعزل عن الأخرى، بل ينظر إليها باعتبارها منظومة مترابطة، تؤثر في قدرة الدول على تحقيق التنمية.
ومن أكثر الرسائل أهمية في التقرير أن التحدي لم يعد يتمثل في نقص المعرفة، أو غياب الخطط، إنما في فجوة التنفيذ. فبعد أكثر من عشر سنوات على اعتماد أهداف التنمية المستدامة، أصبحت معظم الحكومات تدرك طبيعة التحديات التي تواجهها، كما أن الأدوات، والسياسات متاحة إلى حد كبير، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الخطط إلى نتائج قابلة للقياس، وربط التمويل بالسياسات، وتعزيز كفاءة المؤسسات، ورفع جودة الحوكمة، وتحسين استخدام البيانات في اتخاذ القرار.
ويبرز التمويل باعتباره العقدة الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة، فبينما تتسع الفجوة التمويلية اللازمة لتحقيق أهداف التنمية، تتراجع التدفقات الإنمائية، وترتفع أعباء الديون على كثير من الدول النامية.
وهنا يوجه التقرير رسالة ضمنية مفادها، أن التنمية ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة أولويات. فالعالم يمتلك الإمكانات المالية والتقنية، لكنه لا يزال يواجه تحدياً في توجيه هذه الإمكانات نحو الاستثمار في الإنسان، والمجتمع.
وبالنسبة للعالم العربي، فإن قراءة هذا التقرير لا ينبغي أن تكون من زاوية المقارنة مع المتوسطات العالمية فقط، بل من زاوية الفرص أيضاً. فالمنطقة تمتلك مزايا نسبية مهمة في مجالات التحول الرقمي، والطاقة، والبنية التحتية، والشباب، والاستثمار، إلا أنها تواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بندرة المياه، والأمن الغذائي، والتمويل التنموي، والتفاوتات التنموية، وتأثيرات التغير المناخي.
ولذلك فإن السنوات الخمس المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتحول إلى نموذج إقليمي للتنمية المستدامة، أم ستظل أسيرة الاستجابة المتأخرة للأزمات.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه، من تقرير الأمين العام، هو أن العالم لم يعد بحاجة إلى مزيد من الوثائق الستراتيجية بقدر حاجته إلى مؤسسات أكثر قدرة على التنفيذ، وشراكات أوسع، واستثمارات أذكى، وقرارات تستند إلى الأدلة.
إنها مرحلة الانتقال من التخطيط إلى الإنجاز، ومن إعلان النوايا إلى قياس الأثر، وهي الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى صناع القرار في عالمنا العربي قبل أن تبدأ العد التنازلي الأخير نحو عام 2030.
خبير استدامة