الأربعاء 29 يوليو 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يكون الوداع شفاءً
play icon
كل الآراء

حين يكون الوداع شفاءً

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 28 يوليو 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

ليست كلّ العلاقات قابلة للترميم، ولا كلّ كسور الروح تُجبر بالوقت، أو النوايا الحسنة. ثمة علاقات تُرهق أكثر مما تُعين، وتستنزف الإنسان باسم المودّة، وتؤذيه تحت ستار الألفة والمحبة.

في مثل هذه المساحات الرمادية، لا يكون الانسحاب ضعفاً، بل وعياً متقدماً؛ ولا يصبح الوداع هروباً، بل فعلَ اعتناءٍ بالنفس في أرقى صوره.

لقد تربّى الوجدان الجمعي طويلاً على تمجيد الاستمرار، وكأن البقاء قيمة مطلقة مهما كان الثمن، غير أن الحقيقة أعمق: الاستمرار بلا معنى نوعٌ من التآكل البطيء، وإعادة المحاولة في علاقة لا تُنصت ولا تتغيّر، ليست بطولة، بل استنزاف. فالعلاقات التي تفتقر إلى الود الصادق والاحترام، أو تُصادر الصوت، أو تُحمّل طرفاً عبء التبرير الدائم، تُحوّل القرب إلى عبء، والحضور إلى نزيف صامت.

الوداع الناضج لا يُولد من نزوة، ولا من انفعال عابر؛ إنه قرار يتخمّر طويلاً في صمت التفكير، ويخرج بعد محاولات صادقة للفهم والإصلاح. هو وداعٌ لا يطلب تبريراً، ولا يستعرض أخطاء، ولا يسعى للانتصار الأخلاقي. وداعٌ يقول: توقّف الأذى هنا، ويضع حداً كريماً لما لم يعد كريماً.

والصدق مع الوجع شرط هذا الوداع. فالتظاهر بالقوة لا يُداوي، وإنكار الألم لا يُنقذ. الاعتراف بالخسارة، الحزن، والفراغ الذي يخلّفه هذا الانسحاب، هو بداية التعافي لا نهايته. حين نسمح للألم أن يُقال، لا ليحكمنا بل ليُفهَم، نمنحه حجمه الحقيقي، ونمنع تضخّمه في الظل.

أما الشجاعة الحقيقية، فهي ألا نعود. ألا نعود لأن الحنين خدّاع، ولأن الذاكرة تميل إلى تلميع ما كان وتغفل ما آذى. ألا نعود لأن العودة دون تغيير تكرارٌ للألم، ولأن القلب يستحق بيئة آمنة، لا اختباراً دائماً للصبر. الشجاعة هنا ليست غِلظة، او تجبر، بل وفاءٌ للذات التي تعبت، واحترامٌ لحدودٍ تعلّمنا رسمها، بعد فوات الأوان.

إنهاء بعض العلاقات ليس فشلاً، بل نضج إنساني. هو اختيار للسلام الداخلي على حساب الرضا الموقت، وتقديم للصحة النفسية على مجاملة الأعراف. وفي عالم يطالبنا بالبقاء مهما تأذّينا، يصبح الانسحاب الواعي فعلَ مقاومة، والوداع الكريم درسا في حبّ النفس.

في النهاية، ليست القيمة في عدد من بقوا حولنا، بل في نوعية السلام الذي نحمله داخلنا. وحين يكون الوداع هو الطريق الوحيد لاستعادة هذا السلام، فإن اختياره ليس خسارة…بل نجاة.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار