الأربعاء 29 يوليو 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
خيرةٌ إن شاء الله
play icon
كل الآراء

خيرةٌ إن شاء الله

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 28 يوليو 2026
هلا بدر الحميضي

هذه من أكثر العبارات المألوفة التي نسمعها مراراً وتكراراً، ومن أكثر ما يُردد عند التعرض للخسارة والحزن:"خيرٌة إن شاء الله".

نقولها حين لا نحقق الوظيفة التي طمحنا إليها، حين تنقطع علاقة عزيزة علينا، أو حين نفوت فرصة كنا على يقين أنها ستغير مجرى حياتنا. لكن هل نتوقف يوماً لنتفكر في حقيقة تلك المقولة، هل نقولها فقط حين نُصاب بالأسى، أم نتخذها عقيدة تقربنا من الله والرضا بحكمته؟

تقتضي طبيعة الإنسان أن يعتقد الناس أن "الخير" هو ما يريدونه هم، ويعتبرون أن تحقيق رغبتهم هو ما يؤدي إلى السعادة والرضا. إلا أن الحياة تُظهر لهم في مواقف مختلفة، أن رغبتهم ليست دائماً ما يحتاجونه. أحياناً يسعى الإنسان، بكل طاقته، لتحقيق هدف ما، ليأتي الموقف فلا يتحقق له، ويشعر بالألم من ذلك، ويشعر أنه قد ظُلم. بينما قد يكون ذلك الموقف المانع حماية للشخص من شيء لا يعرف معناه أو عواقبه.

يكشف الزمن أيضاً للكثيرين الجانب الإيجابي، في ما اعتقدوا أنه "خسارة"، حين يصبح ذلك الشيء نفسه نقطة تحول في حياتهم، وخيراً لهم قد لا يتجلى فوراً. من لا يحصل على وظيفة مرغوبة ويعتقد أنه "خسران"، يكتشف لاحقاً وظيفة تتناسب مع قدراته وطموحاته. من يخسر علاقة كانت مهمة جداً له، قد يكتشف لاحقاً أنها كانت راحة من عبء ثقيل، وبداية لحياة جديدة أكثر استقراراً وسعادة. من يفشل في مشروع قد يكتشف لاحقاً أن ذلك الفشل كان خبرة ثمينة ساعدته في العثور على مشروع أكثر نجاحاً.

هذا لا يعني إنكار وجود الألم، أو أن علينا كبت مشاعرنا. نحن بشر، ويجب أن نشعر بالحزن عند فقدان ما رغبنا فيه. الفرق يكمن في طريقة تعاملنا مع هذا الألم. فبينما يبقى الكثيرون في فخ "الخسارة"، ويستمرون في التساؤل: لماذا خسرت هذه الفرصة، ولماذا آذاني ذلك الشخص؟ يختار الكثيرون غيرهم أن يتساءلوا: ما هو الخير الذي أصبحت أدركه الآن بفضل هذه التجربة، كيف يمكنني المضي قدما من هنا؟

هذا التفكير هو ما يمكّن الشخص، ويمنحه القدرة على الاستمرار في السير قدماً.

يؤكد علماء النفس، والخبراء، أن تقبل ما لا يمكن تغييره يساعد على تقليل التوتر والقلق، ويزيد من الاستقرار النفسي للشخص، وقدرته على التكيف مع الظروف المختلفة. الشخص الذي يعتقد أن وراء أحداث الحياة حكمة عظيمة، لا يمكننا دائماً فهمها، يكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب، لأنه لم يربط قيمته بفرصة معينة، أو إنجاز معين لم يحدث.

في الوقت نفسه، فإن رفض الواقع والتعلق بما لم يعد موجوداً، يجعل الشخص يقع في دائرة من الندم والإحباط، تحرمه من القدرة على رؤية الفرص الجديدة، التي تلوح في الأفق، واتخاذ خطوة إيجابية.

لذلك، فإن "خيرٌة إن شاء الله" ليست إعلاناً يشجع على الكسل، أو الاستسلام، بل هي عقيدة تجمع بين شيئين أساسيين: السعي وبذل كل جهد ممكن، واجتهاد لتحقيق الهدف، ثم الرضا بالنتيجة، وما آلت إليه، سواء كانت ما نريده أو شيئاً آخر، لأننا نؤمن أن الله يدبر أمور عباده بحكمته.

حقيقة أن الله يختار الخير لعباده لا تعني أن الطريق دائماً سلس وسهل، بل تعني أن لكل تجربة معنى، ولكل تأخير حكمة، ولكل باب مغلق قد يكون فتحاً لباب آخر، في الوقت المناسب، ليس الباب الذي أردناه، بل باباً أنسب لنا. ليس كل ما نتمناه ونسعى إليه في حياتنا خيراً لنا، وليس كل ما نفقده في الحياة شيئاً ضاراً، كما قد نعتقد.

مرات كثيرة تمر الأيام دون أن نجد سبباً لما حدث، لكن قد تمر الأوقات بكل أسرارها. حينها نفهم ما فُقد في تلك اللحظات. حينها نقول إن بعض الخسائر كانت حماية، وبعض التأخيرات كانت رحمة، وبعض النهايات كانت أجمل البدايات.

حينها نردد: "خيرٌة إن شاء الله"، ليس فقط كعبارة لتهدئة أنفسنا، بل بإيمان، ويقين، أن الله يدبر أمور عباده بحكمته، ورحمته، وأن الخير قد يتجلى بطريقة لم نتوقعها أو نتخيلها أبداً.

مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات والعلاقات العامة

آخر الأخبار