تكتسب زيارة وزير الخارجية الكويتي إلى باكستان دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد؛ فقد تزامنت مع التصديق على اتفاقية للتعاون الدفاعي، وُقعت أصلًا عام 2023، وفي مرحلة تعيد فيها دول الخليج تقييم شبكات الردع، والشراكات الأمنية، التي تعتمد عليها.
الاتفاقية المعلنة ليست معاهدة دفاع مشترك. فهي تنظم التعاون في مجالات التدريب والعلم العسكري، والمعلومات واللوجستيات والتقنيات، والتمارين، لكنها لا تتضمن، وفق ما نُشر، بنداً يعتبر الاعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الآخر، ولا التزاماً تلقائياً بإرسال قوات باكستانية إلى الكويت.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الاتفاقية الحالية وما قد يجري التفاوض عليه لاحقاً. فقد تحدثت تقارير صحافية، لم تؤكدها الكويت رسمياً، عن بحث توسيع التعاون ليشمل قدرات دفاعية وحضوراً باكستانياً أكبر، من دون إعلان عن الوصول إلى تفاهم من هذا النوع. لذلك قد تكون الزيارة فرصة لاستكشاف مدى قابلية الشراكة للتوسع، لا إعلاناً عن تحالف مكتمل.
لكن قيمة الاتفاقية لا تُقاس فقط بما تفرضه قانونياً عند وقوع الحرب، بل أيضاً بما تبنيه من ردع قبل اندلاعها. فالتعاون الدفاعي والاستخباراتي المتقدم، إذا تحول إلى آليات تنفيذية وتنسيق مستمر، قد يرفع كلفة أي تصعيد ضد الكويت، حتى من دون تعهد صريح بإرسال قوات، ويدخل الموقف الباكستاني ضمن حسابات أي طرف يفكر في اختبار أمنها.
وإلى جانب أثره الردعي، قد يكون البعد الاستخباراتي من أهم أوجه هذه الشراكة. فخبرة باكستان في تحليل التهديدات، ومكافحة الإرهاب، ومتابعة الجماعات المسلحة، قد تمنح الكويت ما يتجاوز تبادل المعلومات، إلى تقديرات موقف وسيناريوهات، تساعد صانع القرار على استباق المخاطر، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
والسؤال الأكثر حساسية: ليس فقط ماذا سيكون موقف باكستان، إذا تعرضت الكويت لعدوان من دولة، بل ماذا سيكون موقفها إذا جاء العدوان عبر فصيل مسلح مرتبط بدولة أخرى، مع احتفاظ تلك الدولة بقدرتها على إنكار مسؤوليتها عنه. فالتعامل مع تهديدات الوكلاء أصعب، قانونياً وسياسياً، من مواجهة جيش نظامي واضح الهوية؟
الكويت والخليج لا يبحثان عن حرب؛ فمصالحهما تقوم على الاستقرار والاستثمار، وانسياب التجارة والطاقة. لكن الحوار لا يغني عن الردع، كما أن الاتفاقيات العسكرية لا تصبح ضمانات أمنية لمجرد توقيعها.
لذلك سيكون أحد الاختبارات الحاسمة لوزن الاتفاقية هو الآتي: هل ستقتصر باكستان عند وقوع خطر حقيقي على التدريب والمعلومات والدعم السياسي، أم يمكن أن تتحول الشراكة، بقرار سياسي مستقل، إلى إسناد عسكري فعلي؟
الإجابة ليست موجودة في الاتفاقية الحالية، وربما كانت زيارة إسلام آباد بداية البحث عنها.