تمر علينا ذكرى الثاني من أغسطس كل عام، فتعود الكويت إلى تلك الأيام التي اختبرت فيها معنى الوطن، حين لم تكن الأرض مجرد حدود، بل كانت هوية وكرامة ومصيراً واحداً.
وفي المقابل، يبقى السادس والعشرون من فبراير شاهداً على أن إرادة الشعوب قادرة على صناعة التحرير، مهما طال الاحتلال.
لكن بين الغزو والتحرير، بقي فصل لم يُكتب كاملاً بعد، فما تزال قضية رفات ما لا يقل عن 300 من شهدائنا المفقودين تنتظر خاتمتها العادلة، ولا تزال أسر الشهداء تعيش على أمل أن تحتضن أبناءها، ولو بعد عقود، لتؤدي حق الدعاء والوداع، وتغلق صفحةً أثقلها الانتظار.
ومع تعاقب السنوات، وتزاحم الملفات الإقليمية والدولية، وتغير الأولويات، نخشى أن تنتقل هذه القضية الوطنية من مركز الاهتمام إلى هامشه، بينما هي في حقيقتها ليست ملفاً تاريخياً، إنما مسؤولية سيادية، وأخلاقية وإنسانية، لا تسقط بالتقادم.
واليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، فإن المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. غير أن وزارة الخارجية مطالبة بأن تمنح هذا الملف زخماً ديبلوماسياً متجدداً، وأن تستثمر ما تشهده المنطقة من متغيرات إيجابية، وما تشهده العلاقات الكويتية - العراقية من مساحات للحوار، لإعادة القضية إلى طاولة الاهتمام السياسي، والإنساني، بالتنسيق مع المنظمات الدولية واللجان المتخصصة.
كما أن بقية مؤسسات الدولة، من الجهات الأمنية والقانونية والإنسانية والإعلامية، مطالبة بتجديد أدوات العمل، ومتابعتها داخل العراق، وتوحيد الجهود، وإعادة تقييم آليات المتابعة، بما ينسجم مع مكانة هذه القضية في وجدان الكويتيين.
إن الوفاء للشهداء لا يقتصر على الاحتفاء بذكراهم، إنما يبدأ من استمرار البحث عنهم، وعدم السماح بأن يبتلعهم النسيان، أو تطغى عليهم الملفات المستجدة.
لقد حررت الكويت أرضها قبل خمسة وثلاثين عاماً، وبقي أن نحرر ذاكرة الوطن من ألم الانتظار.
وسيظل هذا الملف مفتوحاً في ضمير كل كويتي، حتى يعود آخر شهيد إلى تراب وطنه، ويجد كل بيت كويتي حقه في الوداع، وتجد الكويت حقها في اكتمال قصة الوفاء.