حين اجتمع قادة دول الخليج العربية في العاصمة الإماراتية أبوظبي في 25 مايو عام 1981، وأعلنوا قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، لم يكن ذلك قراراً سياسياً عابراً، فرضته ظروف تلك المرحلة، بل كان رؤية ستراتيجية استشرفت المستقبل، وأدركت أن وحدة المصير، والجغرافيا، والدين، والتاريخ، تفرض على دول الخليج أن تكون كالجسد الواحد، وأن أمن دولة منها هو أمن للجميع، وأن ازدهارها واستقرارها مسؤولية مشتركة لا تقبل التجزئة.
ومنذ ذلك اليوم: تعاقب على الأمانة العامة للمجلس رجال دولة تركوا بصمات واضحة في مسيرته المباركة، بدءاً بالأمين العام الأول عبدالله يعقوب بشارة، الذي حمل مسؤولية التأسيس، ووضع اللبنات الأولى لهذا الصرح الخليجي، والشيخ فاهم بن سلطان القاسمي، والشيخ جميل بن إبراهيم الحجيلان، وعبدالرحمن بن حمد العطية، عبداللطيف بن راشد الزياني، نايف فلاح الحجرف، وصولاً إلى الأمين العام الحالي جاسم محمد البديوي، والذي يواصل بهمّة ونشاط مسيرة العمل الخليجي المشترك، في مرحلة تعد من أدق المراحل التي تمر بها المنطقة.
ولهم جميعاً الشكر والتقدير على ما بذلوه من جهود مخلصة في خدمة المجلس، وتعزيز حضوره، وتقوية مؤسساته، وترسيخ مكانته الإقليمية والدولية.
وعلى امتداد أكثر من أربعة عقود لم يكن طريق المجلس سهلاً، فقد واجه تحديات وصعوبات جساماً، واختبارات مصيرية، وفي مقدمتها الاحتلال العراقي لدولة الكويت عام 1990، ذلك الحدث الذي أثبت أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن الوقوف صفاً واحداً ليس خياراً، بل ضرورة وجودية.
ثم توالت التحديات من الإرهاب، والاضطرابات الإقليمية، إلى الأزمات الاقتصادية وصولاً إلى التطورات، الأمنية والعسكرية التي تشهدها المنطقة اليوم، ومع ذلك بقي "مجلس التعاون" ثابتاً واستطاع، بفضل الله ثم بحكمة قادته، أن يتجاوز كثيراً من المنعطفات، وأن يحافظ على مكانته بوصفه أحد أنجح التكتلات الإقليمية عربياً. غير أن المتغيرات الأخيرة كشفت بوضوح أن طبيعة الأخطارلم تعد كما كانت، وأن التهديدات لم تعد تقتصر على الجيوش التقليدية، بل أصبحت صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، وميليشيات عابرة للحدود، وحروباً إعلامية وسيبرانية، وأذرعاً تعمل بالوكالة، تستهدف أمن الدول واستقرار شعوبها.
وللأسف لا تزال إيران، ومنذ قيام ثورتها عام 1979، تتبنى خطاباً متناقضاً: فبينما تزعم أن هجماتها تستهدف قواعد أو منشآت عسكرية اميركية، فإن الوقائع التي يشاهدها العالم تُظهر أن الاعتداءات طالت مناطق مدنية، وأثارت القلق في أكثر من دولة خليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
كما شهدت الكويت والبحرين وغيرهما من دول المجلس حملات من الاتهامات، والتهديدات التي تفتقر إلى المبررات، وتتناقض مع مبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول.
كما لا ننسى أن ما يجري في اليمن الشقيق، يفرض على الجميع مضاعفة الجهود للوصول إلى حل، يحفظ وحدته وسيادته، ويُنهي معاناة شعبه، ويعيد للدولة اليمنية الشرعية دورها، ومؤسساتها، بما يحقق الأمن والاستقرار لليمن وللمنطقة بأسرها.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال بـ"مجلس التعاون" من مرحلة التنسيق إلى مرحلة التكامل الأعمق: تكامل في الدفاع والاستخبارات، والأمن السيبراني، والصناعات العسكرية.
والأمن الغذائي والطاقة، والاقتصاد والبحث العلمي، حتى يصبح المجلس أكثر قدرة على حماية مصالحه، وأكثر جاهزية لمواجهة أي تحديات مستقبلية.
إن دول الخليج لا ينقصها الرجال ولا الإمكانات، ولا الخبرات، ولا الإرادة السياسية، فهي بفضل من الله تمتلك قيادات حكيمة، وشعوباً واعية، واقتصادات مؤثرة، وقوات عسكرية وأمنية مشهوداً لها بالكفاءة، وما تحتاجه المرحلة هو مزيد من التكامل المؤسسي، وتسريع خطوات العمل المشترك ليظل الخليج واحة أمن واستقرار، وسط عالم يموج بالمتغيرات.
لقد أثبت التاريخ أن "مجلس التعاون" لم يكن مشروعاً سياسياً موقتاً، بل كان مشروع أمنٍ واستقرارٍ وتنميةٍ، ووحدة مصير.
واليوم، وبعد كل ما شهدته منطقتنا، باتت الحاجة أكثر إلحاحاً إلى أن يكون أكثر تماسكاً، وحضوراً وقدرة على حماية أمنه ومكتسباته، ليبقى درعاً، بالله، قوّة آمنة لشعوبه، وسنداً لأمته ونموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي، وليبقَ شعار المرحلة المقبلة: وحدةٌ أقوى وتكاملٌ أعمق، وردعٌ يحفظ السلام لا يسعى إلى الحرب، لكنه لا يفرّط في أمن الأوطان.
"خليجُ العُلا… لا الريحُ تُطفئُ نورهُ
ولا الحقدُ مهما أظلمَ الليلُ يُرهِبُهْ
إذا ما تلاقى الصدقُ والإيمانُ في يَدٍ
فكلُّ حصونِ الأرضِ تعلو مواكبُهْ".
حفظ الله المملكة العربية السعودية، ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين، وسلطنة عُمان، وحفظ اليمن وأهله، وأدام على دول "مجلس التعاون" أمنها ووحدتها وعزتها، وجعل اجتماع كلمتها قوةً تردع المعتدي،وسلاماً يصون الأوطان، ومستقبلاً يليق بشعوبها وأجيالها القادمة... اللّهم أمين يارب.
مستشار إعلامي سعودي