الأحد 02 أغسطس 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
المفكرون والمثقفون والفنانون... حراس الهوية الوطنية
play icon
كل الآراء

المفكرون والمثقفون والفنانون... حراس الهوية الوطنية

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 01 أغسطس 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

حين تمر الأوطان بظروف استثنائية، وتحيط بها تحديات أمنية وسياسية، تتجه الأنظار إلى الجيوش ومنظومات الدفاع والتحالفات الإقليمية. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن حماية الأوطان لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، إنما تحتاج إلى قوة أخرى لا تقل أهمية، هي قوة الفكر والثقافة والفنون، أو ما يُعرف اليوم بـ"القوة الناعمة". فإذا كانت القوة العسكرية تحمي الأرض، فإن القوة الناعمة تحمي الإنسان والهوية.

وقد أثبتت التطورات التي شهدتها منطقتنا خلال الأشهر الماضية أن المجتمعات، التي تمتلك حصانة فكرية وثقافية، تكون أكثر قدرة على مواجهة حملات الاستقطاب، والتطرف، والحروب النفسية، وأكثر تماسكاً في أوقات الأزمات. فالحروب الحديثة لم تعد تستهدف الحدود وحدها، بل أصبحت تستهدف الوعي والانتماء والهوية الوطنية. وانطلاقا من هذا الفهم، حرصت مؤسسة البلاد الإعلامية البحرينية على أن تجعل دعم المبدعين جزءاً من رسالتها المجتمعية، إيماناً بأن الاستثمار في الإنسان المبدع هو استثمار في مستقبل الوطن.

ومن هنا أطلقت مبادرة "منبر القلم" بالتعاون مع أسرة الأدباء والكتاب البحرينيين، لتكريم المفكرين والباحثين والأدباء والشعراء، والتعريف بإنتاجهم الفكري والثقافي، عبر معارض للكتب ولقاءات إعلامية. وقد شملت المبادرة حتى الآن الدكتور منصور سرحان، والأستاذ علي عبدالله خليفة، والبروفيسور الدكتور علوي الهاشمي.

كما أطلقت المؤسسة مبادرة "ريشة البلاد" بالتعاون مع جمعية البحرين للفنون التشكيلية، لتكريم الفنانين التشكيليين، وإبراز دورهم في إثراء المشهد الفني الوطني، فيما تستعد خلال شهر سبتمبر المقبل لإطلاق مبادرة "وتر البلاد" المخصصة للموسيقيين والملحنين، والمطربين والمؤلفين، استكمالا لمشروع وطني يحتفي بمختلف روافد الإبداع البحريني.

وقد كان أكثر ما أسعدنا ما تلقيناه من رسائل التشجيع والتقدير، من مختلف الأوساط الثقافية والرسمية، وهو ما يؤكد أن تكريم المبدعين ليس ترفاً ثقافياً، بل حاجة وطنية، وأن المجتمع يتطلع إلى مبادرات تعزز مكانة الثقافة والفنون في الحياة العامة. ومن هنا يبرز الأمل في أن تتحول هذه المبادرات إلى ثقافة وطنية، تتبناها المؤسسات الرسمية والأهلية، على غرار النجاح الذي حققته جائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة. ولماذا لا نشهد جوائز وطنية لأفضل رواية، وأفضل كتاب، وأفضل مسرحية، وأفضل فيلم، إلى جانب مسابقات للشعر والفنون التشكيلية، وسائر مجالات الإبداع؟

إن مكانة الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصاداتها أو جيوشها، إنما أيضاً بما تمتلكه من رصيد فكري وثقافي، وبقدرتها على التأثير والإقناع. ومع الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تشكيل الرأي العام جزءاً من معادلات الأمن الوطني، وأصبح الصراع على العقول والوعي لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.

ولعل من المشروع أن نتساءل: كيف استطاعت بعض الأفكار المتطرفة، سواء تلك التي رفعتها جماعات الإسلام السياسي أو المشاريع الأيديولوجية العابرة للحدود، أن تجد لها موطئ قدم في بعض مجتمعاتنا؟ لعل أحد الأسباب يتمثل في التقصير، لسنوات طويلة، في بناء الحصانة الفكرية والثقافية، وفي منح المبدعين المكانة التي يستحقونها، وفي صون تراثنا الحضاري.

واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مشروع ثقافي وطني جامع، يعزز قيم المواطنة والانتماء، ويعيد الاعتبار للفكر والثقافة والفنون باعتبارها إحدى ركائز الأمن الوطني والتنمية المستدامة. فالأوطان لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما أيضا بالعقل الذي يفكر، والقلم الذي يكتب، والقصيدة التي تُلهم، واللوحة التي تحفظ الذاكرة، واللحن الذي يوحد الوجدان. وكل استثمار في الإنسان المبدع هو استثمار في أمن الوطن وهويته ومستقبله.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار