حوارات
يقنع بعض الفقراء، عندما يرضون بالقليل من الرّزق، وبما يظنّون أنها حظوظهم من الدنيا، مع أنّ يمكن أحياناً أن يغيّروا أوضاعهم الى الأحسن، إذا تمّ تقديم بعض المساعدة لهم. وأعتقد أنّ الشخص الملزم حقاً بالقناعة هو الانسان الغني، وليس الفقير، وليس من المنطق مطالبته، هو فقط، أن يكون قنوعاً بفقره، بينما يندر أن تجد خطاباً وعظياً عن القناعة موجّهاً فقط الى الأغنياء.مطالبة الفقير فقط بالقناعة تبدو لي على الأقل مغالطة مضلّلة (Sophism)، وربما تكون كلمة حقّ يراد بها باطل، صحيحة ظاهرياً لكنها باطلة، منطقياً وأخلاقياً، ومن بعض أسباب كونها مغالطة مضلّلة، نذكر ما يلي:
-القناعة عند الاكتفاء الذَّاتيّ: حالة الفقير هي حالة الحاجة المستمرة، وليست حالة استغناء، أو اكتفاء ذّاتي، وليس من المنطق مطالبته بالقناعة في ما لم يكتف به، أو منه، وهو ليس ملزماً أن يقنع بحالة الفقر، ما دام تتوافّر أمامه فرص للارتقاء المعيشي.
-القناعة يحتاجها الغني أكثر من الفقير: يقنع المرء بالشيء عندما يكتفي منه، وتتوقّف حاجته الى المزيد منه، لاكتفائه، أو لتشبّعه منه، ولهذا السبب، فيصعب إقناع الفقير أنّه يحتاج الى القناعة أكثر من الغني، فهو لا يملك القدر المناسب من المال ليصبح قنوعاً، بينما ربما يحتاج الغني الى القناعة أكثر من الفقير، على الأقل لكي يحمي نفسه من الانغماس في الطمع المهلك. -ابتسامة الفقير تكشف واقعاً مؤلماً: يردّد البعض أنّ ابتسامة بعض الفقراء تكشف أنّ السعادة ليست بالمال، وهي مغالطة مظلّلة، فلولا قلّة ماله لما أصبح الفقير فقيراً، وبعض ابتسامات الفقراء ربما تكون قسريّة بهدف التخفيف من شدّة الواقع المؤلم الذي يعيشونه، ولم أر حتى اليوم إنساناً فقيراً مبتسماً، وما يروج حول هذا الأمر في الـ"سوشيال ميديا" ما هو سوى كلام مرسل.
-دور الأغنياء في التخفيف من حدّة الفقر: يقول المولى عزّ وجلّ في القرآن الكريم أنّ المتّقين "فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" (الذاريات 19)، فطوبى للمسلم الغني التّقي الذي يساهم قدر ما يستطيع في تخفيف حدّة الفقر على اخوته واخواته المسلمين.
كاتب كويتي