لم يكن أول ما أيقظ كثيراً من المصريين فجر اليوم الاثنين اهتزاز الأرض، بل إشعار تحذيري ظهر على هواتفهم العاملة بنظام "أندرويد"، طالبهم باتخاذ إجراءات السلامة قبل أن يشعروا بالهزة الأرضية بثوانٍ. هذا المشهد أثار تساؤلات واسعة: هل أصبحت الهواتف قادرة على التنبؤ بالزلازل، أم أن وراء الأمر تقنية مختلفة؟
وبحسب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، وقع الزلزال قرابة الساعة الثالثة صباحاً بتوقيت القاهرة، وبلغت قوته 5.6 درجة على مقياس ريختر، وشعر به سكان القاهرة الكبرى وعدد من المحافظات، فيما سبق التحذير وصول الاهتزازات إلى كثير من المستخدمين.
والإجابة العلمية المختصرة هي أن الهواتف لا تتنبأ بالزلازل، بل تعتمد على نظام للإنذار المبكر يبدأ عمله بعد وقوع الزلزال بالفعل، مستفيداً من الفارق الزمني بين انتقال البيانات ووصول الموجات الزلزالية إلى المناطق البعيدة.
وتنشأ الزلازل نتيجة حركة الصفائح التكتونية، وهي ألواح صخرية ضخمة تكوّن القشرة الأرضية والجزء العلوي من الوشاح، وتتحرك ببطء شديد. وعندما تنكسر الصخور أو تنزلق فجأة على امتداد صدع بين صفيحتين، تنطلق الطاقة من بؤرة الزلزال على هيئة موجات زلزالية تنتشر تدريجياً داخل الأرض وإلى سطحها، فتصل أولاً إلى المناطق القريبة، ثم إلى المناطق الأبعد بعد ثوانٍ أو دقائق بحسب المسافة.
ويعتمد نظام الإنذار في هواتف "أندرويد"، الذي طورته شركة "غوغل"، على مستشعرات الحركة "Accelerometers" الموجودة في ملايين الهواتف الذكية. فعندما ترصد مجموعة كبيرة من الأجهزة اهتزازات تتطابق مع خصائص الزلازل، تُرسل هذه البيانات بصورة آلية إلى خوادم "غوغل"، التي تحللها خلال ثوانٍ للتحقق من وقوع الزلزال وتحديد موقعه وقوته، ثم ترسل تنبيهات فورية إلى الهواتف الموجودة في المناطق التي لم تصلها الموجات الزلزالية بعد.
ويستفيد النظام من أن البيانات تنتقل عبر شبكات الاتصالات بسرعة تقترب من سرعة الضوء، بينما تتحرك الموجات الزلزالية داخل القشرة الأرضية بسرعة تتراوح بين كيلومتر واحد وعدة كيلومترات في الثانية، ما يمنح بعض المستخدمين وقتاً إضافياً قبل وصول الاهتزازات.
ولا يحصل جميع المستخدمين على المدة نفسها من الإنذار؛ فالموجودون بالقرب من بؤرة الزلزال قد يشعرون بالهزة قبل وصول التنبيه أو بالتزامن معه، لأن النظام يحتاج إلى ثوانٍ لرصد البيانات والتحقق منها وإرسال التحذير. أما الموجودون على مسافات أبعد، فقد يحصلون على عدة ثوانٍ، وربما عشرات الثواني في بعض الحالات، بحسب المسافة وقوة الزلزال وتوافر الاتصال بالإنترنت وتشغيل خدمات الموقع.
ويؤكد العلماء أن هناك فرقاً جوهرياً بين التنبؤ بالزلازل والإنذار المبكر؛ فالتنبؤ يعني معرفة مكان الزلزال وموعده وقوته قبل وقوعه، وهو أمر لم يتمكن العلم حتى الآن من تحقيقه بصورة موثوقة، بينما يعمل نظام الإنذار المبكر بعد بدء الزلزال فعلياً، مستغلاً الفارق الزمني بين انتقال البيانات ووصول الموجات الزلزالية إلى المناطق الأبعد.
ورغم أن مهلة الإنذار لا تتجاوز في كثير من الأحيان بضع ثوانٍ، فإنها قد تكون كافية للابتعاد عن النوافذ والأجسام القابلة للسقوط أو الاحتماء في مكان آمن، بما يسهم في تقليل مخاطر الإصابات.