الثلاثاء 04 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
'خريف ظفار'... رفقاً أيها الجمال
play icon
سياحة

"خريف ظفار"... رفقاً أيها الجمال

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 03 أغسطس 2026
سوزان ناصر
جبالٌ يغشاها ضباب ووديان تتدفق ماءً ومروجٌ خضرٌ... وناسٌ طيبون


سلطنة عمان - ظفار - سوزان ناصر

"بنفسي جنةَ الدنيا ظفارُ وليلاتٌ مررن بها قصارُ"

هكذا اختصر الشعر جمال ظفار قبل أن ترويه الصور. فما إن تصل إليها حتى تدرك أن الشعراء لم يبالغوا في وصفها... "يا حيّ من جا ظفار عاني"، عبارة تستقبلك من اللحظة الأولى، لتقودك إلى رحلة وسط الضباب والجبال والخضرة، حيث يتحول خريف ظفار من حكاية تُروى إلى تجربة تُعاش. هنا في جنوب سلطنة عُمان، حيث يمتزج الضباب بالهواء العليل، لا تملك إلا أن تعترف، مع أولى النسمات العليلات، بأن "خريف ظفار… شيّ ثاني" حقاً. على امتداد الطريق، كان الرذاذ رفيق الرحلة الدائم، يبلل الوجوه ببرودته اللطيفة، ويمنح الجبال والأودية والسهول لوناً أخضر يخطف الأبصار. وبين الشواطئ العذراء والوديان المتدفقة والمرتفعات التي تعانق السحاب، تتكشف أمام الزائر حكاية مكانٍ جمع بين الطبيعة والتاريخ والإنسان، ليصبح خريف ظفار تجربة لا تُختصر في صورة أو مقطع فيديو، بل تُعاش بكل تفاصيلها. ومن تلك المشاهد، بدأنا ندوّن تفاصيل رحلتنا بين ولايات محافظة ظفار، متنقلين بين البحر والجبل، وبين القرى التراثية والأسواق القديمة، في رحلة حملت الكثير من الحكايات والمواقف التي تستحق أن تُروى.

كانت البداية من مطار صلالة، على متن رحلة طيران الجزيرة، حيث كان أول ما استقبلنا هو الهواء المشبع برائحة الخضرة بعد هطول المطر. وما إن غادرنا المطار باتجاه ولاية مرباط حتى توقفنا عند أحد الباعة لنتذوق النارنج؛ تلك الثمرة التي ارتبط اسمها بظفار، ويحرص الزائر على تذوقها ساعة وصوله... واصلنا الطريق حتى وصلنا إلى

"منتجع أليلا "، حيث بدا المشهد مختلفاً تماماً؛ سحب منخفضة وهواء بارد، في لوحة طبيعية تمنح المكان هدوءاً استثنائياً، وتجعل الزائر ينسى صخب المدن بمجرد أن يطل على البحر والجبال الممتدة أمامه.

'خريف ظفار'... رفقاً أيها الجمال
play icon

"مرباط"... ميناء وحصن

في صباح اليوم التالي، حملتنا الرحلة إلى "ميناء مرباط"، حيث لاتزال مهنة الصيد جزءاً أصيلاً من حياة أبناء الولاية. فبين القوارب الراسية والشباك الممتدة على الشاطئ، التقينا عدداً من الصيادين الذين تحدثوا عن مواسم الصيد وأشهر أنواع الأسماك في مياه ظفار، وكيف توارث الصيادون هذه المهنة أباً عن جد.

ومن الميناء إلى "حصن مرباط"، أو "منزل الشيخ الوالي"، الذي تسلم مهامه عام 1971، وكان آخر من تولى الولاية فيه الشيخ عامر العمري. وبين جُدُر الحصن الحجرية القديمة تتجسد صفحات من تاريخ الولاية ودورها الإداري والاجتماعي في مبنى مازال يحتفظ بأصالته رغم مرور السنين.

"بيت كوفان"

ولأن الرحلة في ظفار لا تكتمل من دون التوقف عند ملامح البيت العُماني القديم، كانت محطتنا التالية في "بيت كوفان" بولاية طاقة، الذي يعكس تصميمه فرادة العمارة العُمانية التقليدية، التي تنسجم مع البيئة المحلية باستخدام الحجر والخشب والمواد الطبيعية، في صورة تحافظ على هوية المكان وإرثه المعماري. وقبل مواصلة الطريق، مررنا بـ"حصن طاقة"، أحد أبرز المعالم التاريخية في الولاية.

...وهنا موعد الغداء، ولا شك أن السمك الطازج هو الخيار الأول لزائري ظفار، لما تشتهر به هذه المحافظة الجميلة من تنوع في الثروة البحرية وجودة في منتجاتها.

"وادي دربات"

ومن هناك بدأت واحدة من أجمل محطات الرحلة؛ "وادي دربات". لكن قبل الوصول، توقفنا عند "أبو عارف"؛ المحطة التي يكاد يجمع عليها كل من يقصد الوادي. وبعدها انكشفت أمامنا لوحة طبيعية يصعب أن تنقلها العدسات كما هي؛ جبال خضراء ومياه تتدفق بين الأشجار ورذاذ ينساب بهدوء فوق المكان، ليجعل الوادي واحداً من أجمل المواقع الطبيعية في سلطنة عُمان.

ومع اقتراب المساء، انتقلنا إلى فعالية "عودة الماضي"، حيث بدا التراث وكأنه عاد إلى الحياة من جديد. بين البيئات البحرية والريفية والبدوية والحضرية، لم تكن المقتنيات مجرد معروضات، بل مشاهد حية تعكس تفاصيل الحياة القديمة في ظفار، من الحرف التقليدية والفنون الشعبية إلى الأسواق القديمة والعادات الاجتماعية التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأهالي.

"عين حشير"

وفي صباح اليوم التالي سلكنا الطريق نحو"عين حشير"، حيث بدأت المغامرة بصعود الجبل عبر طرق متعرجة تشق الضباب. وما إن وصلنا حتى بدت أشجار "التبلدي" العملاقة، المعروفة بأشكالها الفريدة وأعمارها الطويلة، وكأنها حراس للمكان منذ مئات السنين. وبين الصخور والممرات الطبيعية، تتدفق مياه العين، في مشهد يمنح الزائر فرصة للتأمل قبل التقاط الصور.

سلام يا "سمحان"

واصلنا الصعود إلى "جبل سمحان"، حيث يستحضر المكان بيتاً للشاعر أحمد الجنيبي:

سَلامْ يا سَمْحانْ يا عالي الجنابْ

يا النَّايفْ اللِّي ما تِطيحْ هَضابِهْ

وما إن بلغنا القمة حتى بدا الضباب ينساب أسفلنا، فيما بدت الجبال والوديان على مدّ البصر، في مشهد بانورامي يأسر العين. هناك، تكشف طبيعة ظفار عن وجه جديد من جمالها، وكأن المكان يجسّد كلمات الشاعر في مشهدٍ حي.

ولم تقتصر الرحلة على استكشاف الطبيعة، بل امتدت للتعرف على الموروث الظفاري الأصيل، فوسط أجواء تراثية ارتدينا الأزياء التقليدية وتذوقنا الأكلات الشعبية وعشنا ساعات أعادتنا إلى زمن الأجداد، وأظهرت جانباً من الهوية العُمانية التي لاتزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

"ضباب شعت"

لم تكن الطريق إلى "جبل شعت" في ولاية رخيوت مجرد انتقال إلى محطة جديدة، بل امتداد للحكاية؛ رذاذ يرافق الرحلة وغيوم تتهادى فوق القمم ومشهد فريد يلتقي فيه البحر بالجبل، حتى بدا كل ما حولنا ترجمة حيّة للأبيات التي تغنت بهذا المكان.

ولم يبتعد "الشاطئ المخفي" كثيراً عن تلك اللوحة، إذ كان محطة أخرى تستحق التوقف، حيث يلتقي البحر بالجبل في مشهد يضفي على الزائر إحساساً بالسكينة، ويكشف جانباً آخر من تنوع الطبيعة في ظفار.

"آتين" نبض الخريف

ومع حلول المساء، كانت "ساحة أتين" تعج بالحركة والزوار، حيث تتوزع الفعاليات الثقافية والترفيهية، وتتعالى الفنون الشعبية، فيما تنتشر الأركان التي تعرض الحرف اليدوية والمنتجات المحلية والمأكولات العُمانية، لتشكل الساحة قلباً نابضاً لفعاليات موسم الخريف.

وقبل إسدال الستار على الرحلة، كانت محطتنا في "متحف أرض اللبان"، الذي يروي قصة هذا المنتج المرتبط بتاريخ ظفار منذ آلاف السنين، والذي يوثق دوره في ازدهار طرق التجارة القديمة، حتى أصبح "اللبان" أحد أبرز رموز المحافظة وحضورها الحضاري، إضافة إلى موقع "البليد" المُدرج على قائمة التراث العالمي، كجزء أساسي من أرض اللبان.

ومن المتحف توجهنا إلى "عين رزات"، حيث يتدفق الماء بين الأشجار الكثيفة في مشهد يعكس جانباً آخر من جمال الطبيعة الظفارية، قبل أن نصل محطتنا الأخيرة: "سوق الحافة"، أحد أقدم الأسواق التراثية في صلالة.

ووسط روائح اللبان والبخور المنبعثة محال العطور والمنتجات التقليدية والهدايا التذكارية، لا يمكن للزائر أن يمضي من دون أن يحمل معه ما تيسَّر من ذاكرة ظفار الغنية.

ومع اقتراب موعد المغادرة، لم يكن الوداع سهلاً، فظفار ليست مجرد وجهة سياحية، بل حكاية يمتزج فيها سحر الطبيعة بعبق التاريخ وأصالة الموروث، فضلاً عن كرم أهل البلاد وحسن استقبالهم... ودَّعنا صلالة، وفي قلوبنا فيضٌ من دفء أهلها، وفي عيوننا صور من أجمل ما أبدعت الطبيعة في البر والبحر والسماء.

شكراً لـ"السياحة" ولفريق مطيرح  

خالص الشكر والتقدير لوزارة التراث والسياحة العمانية، ولفريق عمل مطيرح، على ما حظينا به من حسن استقبال وكرم ضيافة، وتعاون فاعل أسهم في تسهيل ترتيبات الرحلة وفي إنجاح الزيارة وتحقيق أهدافها، كما عكس الصورة المشرقة لسلطنة عُمان وأهلها الطيبين.

'خريف ظفار'... رفقاً أيها الجمال
play icon

معمر هبيس: "اللبان" هوية ظفار و"ذهبها الأبيض" 

قال معمر مسلم هبيس، الذي ورث تجارة اللبان عن آبائه وأجداده، إن اللبان ليس مجرد منتج طبيعي تجود به الأرض، بل يمثل جزءا أصيلا من هوية محافظة ظفار وتاريخها الضارب في القدم.

وأوضح هبيس أن للبان الظفاري أنواعا ودرجات متعددة، تتحدد جودتها بحسب البيئة والموقع الجغرافي الذي تنمو فيه شجرة اللبان، مشيراً إلى أن أبرز هذه الأنواع وأجودها هو اللبان الحوجري، الذي يعد الأجود عالميا والأعلى قيمة، لما يتميز به من نقاء عال، وللونه الأبيض المائل إلى الفضي أو الأخضر الفاتح، ورائحته العطرية الزكية. وأضاف أن هذا المنتج الفريد أكسب ظفار شهرة عالمية منذ القدم، حتى لُقِّب اللبان بـ"الذهب الأبيض".

آخر الأخبار