الثلاثاء 04 أغسطس 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
معرفة بلا جذور... ثقافة بلا انتماء
play icon
كل الآراء

معرفة بلا جذور... ثقافة بلا انتماء

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 03 أغسطس 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

لم يكن في عينيه سؤالُ المعرفة، بل رجفةُ المعنى حين يتأخّر.

كان ينظر وكأنّه يعرف كلّ شيء، غير أنّه يعجز عن الإمساك بما يخصّه وحده.

شابٌّ في أول الطريق، محاطٌ بصوت العالم المتدافع، يحمل في ذاكرته أسماءً وأحداثاً لا حصر لها، ويتقن العبور السريع بين الأفكار، كما لو أنّه لا يتوقّف عند شيء طويلاً.

وحين سُئل: من أنت؟

لم يُجب.

لا لأنّ الجواب عصيّ، بل لأنّ السؤال لم يكن مألوفاً.

فبعض الأسئلة لا تُدرَّس، ولا تُحفظ، بل تُواجَه… وحين تُواجَه، تهتزّ الطمأنينة، ويظهر الفراغ الذي خبّأته السرعة طويلاً.

نحن أمام جيلٍ لم يعانِ من شحّ المعرفة، بل من فيضانها. جيلٍ يعرف كل شيء تقريباً، لكنه لا يعرف أين يقف، ولا إلى أي أرضٍ فكرية ينتمي.

تتدفّق عليه المعلومات بلا سياق، وتتراكم المفاهيم بلا جذور، حتى باتت الثقافة أشبه بملابس مستعارة؛ جميلة، سريعة التبدّل، لكنها لا تُدفئ الروح.

هنا يبرز السؤال قبل أي حكم: هل كثرة المعرفة تصنع وعياً، أم أن الوعي يحتاج ما هو أعمق من مجرد الاطلاع؟

في زمن السرعة، تحوّلت المعرفة من رحلةٍ في الفهم إلى سباقٍ في التلقّي. لم يعد السؤال: لماذا، بل: ماذا بعد؟ ولم يعد التكوين الداخلي أولوية، بقدر ما صار الظهور الخارجي معياراً. هكذا نشأ جيلٌ يلتقط الأفكار كما يلتقط الصور: دون تأمّل، دون تمحيص، ودون أن يسأل إن كانت تشبهه حقاً.

أزمة الذات والوعي، لا تبدأ حين يضيع الاسم أو تبهت اللغة، بل حين يفقد الإنسان بوصلته الداخلية، ويغيب عنه المعنى. حين يتبنّى الشاب أفكاراً متناقضة في آنٍ واحد، ويدافع عنها جميعاً بالحماسة نفسها، فهذا ليس انفتاحاً، بل ارتباك. وحين يبدّل قناعاته مع كل موجة رائجة، فهذا ليس تطوّراً، بل غياب مرجعية داخلية.

المشكلة لا تكمن في الاطلاع على ثقافات العالم، بل في غياب الجذر الذي يسمح بالتفاعل دون الذوبان. فالثقافة التي لا تنطلق من سؤال: من أنا؟ سرعان ما تتحوّل إلى ضبابيةٍ معرفية، تملأ الرأس وتُفرغ القلب.

لقد تعلّم هذا الجيل كيف يتحدّث، لكنه لم يُمنح الوقت الكافي ليتأمّل. تعلّم كيف يُعبّر، لكنه لم يُدرَّب على الإصغاء لذاته. وبين هذا وذاك، نشأت فجوة صامتة: معرفة واسعة، وهوية هشة.

ولعل أخطر ما في هذه الأزمة، أنها لا تُرى بسهولة. فصاحبها يبدو واثقاً، حاضراً، مشاركاً في كل نقاش. غير أن هذا الحضور الكثيف قد يُخفي فراغاً داخلياً، وسؤالا مؤجّلا عن المعنى واليقين.

لسنا بحاجة إلى محاكمة هذا الجيل، ولا إلى وعظه من أبراجٍ أخلاقية، ما نحتاجه هو إعادة الاعتبار للأسئلة الكبرى: من أين أستمدّ قيمي، ما الذي أؤمن به حقاً، لا لأن الجميع يؤمن به؟

وأي معرفة تُشبهني، لا أي معرفة تلمع أكثر؟

كي لا تذوب شخصيته في الجموع، فيمضي حيث يمضي الجميع بلا وجهة.

ربما يبدأ الحل حين نُبطئ قليلاً، ونمنح الشباب مساحة آمنة للتفكير لا للتلقّي فقط. حين نُعلّمهم أن بناء الشخصية والذات لا يحدث في العناوين العريضة، بل في التفاصيل الصغيرة: في القراءة المتأنية، في الحوار الصادق، وفي الشجاعة على مواجهة النفس.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، لا بوصفه اتهاماً، بل دعوة:

هل نريد جيلاً يعرف كل شيء، أم جيلًا يعرف نفسه؟

المساحة للتفكير لا للاختيار القسري، فبناء الإنسان لا يكون بالتلقين، بل بالاكتشاف والتأمل والوعي.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار