الأربعاء 05 أغسطس 2026
34°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عندما يتغير العالم... لا يكفي أن نبقى كما نحن
play icon
كل الآراء

عندما يتغير العالم... لا يكفي أن نبقى كما نحن

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 05 أغسطس 2026
يوسف راشد الهاجري

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بعدد الحروب، ولا بعدد الاتفاقيات التي وُقعت، وإنما تُقاس بمدى تغير طريقة تفكير الدول. ونحن اليوم نعيش إحدى تلك اللحظات؛ فالعالم الذي عرفناه قبل سنوات لم يعد موجوداً، والقواعد التي حكمت العلاقات الدولية، لعقود، أصبحت أكثر هشاشة، أمام واقع جديد تُصنع فيه القوة بوسائل متعددة، وتتغير فيه موازين النفوذ بوتيرة غير مسبوقة.

لم تعد الجغرافيا وحدها مصدر القوة، ولم تعد الثروات الطبيعية ضماناً للاستقرار، بل أصبحت المعرفة، والتقنية، والاقتصاد، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، هي العوامل التي ترسم مستقبل الأمم. ولذلك فإن الدول التي لا تواكب هذا التحول لا تخسر معركة واحدة، بل تخسر قدرتها على التأثير في المستقبل.

إن أخطر ما قد يصيب أي مجتمع، ليس نقص الإمكانات، إنما الاكتفاء بما تحقق، والاعتقاد بأن نجاحات الأمس كفيلة بحماية الغد. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي توقفت عن التطور لم تُهزم لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها اعتقدت أن الزمن سيتوقف عند حدود إنجازاتها.

وفي منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، يصبح الاستقرار مشروعاً وطنياً متجدداً، لا حالةً دائمة يمكن الاطمئنان إليها. وهذا يفرض أن يكون التخطيط للمستقبل أكثر جرأة، وأن يكون الاستثمار في الإنسان أولوية، وأن تُبنى المؤسسات على الكفاءة، وأن يُنظر إلى التعليم والابتكار، والاقتصاد الرقمي بوصفها ركائز للأمن الوطني، لا ملفات خدمية منفصلة.

لقد أثبتت التجارب أن الدولة التي تمتلك شعباً واعياً، ومؤسسات قوية، واقتصاداً مرناً، وإعلاماً مسؤولاً، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، مهما كان نوعها. فالمعارك الحديثة لا تبدأ دائماً بصوت المدافع، بل قد تبدأ بخبر كاذب، أو هجوم إلكتروني، أو ضغط اقتصادي، أو محاولة لإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسساته. ومن هنا، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بما تملكه من رؤية. فالرؤية هي التي تحول الموارد إلى إنجاز، والأزمات إلى فرص، والتحديات إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر رسوخاً.

إن الكويت، بما تمتلكه من تاريخ سياسي متزن، وإرث ديبلوماسي محترم، ورصيد من الثقة في محيطها، قادرة على مواصلة هذا النهج، شريطة أن يبقى التطوير خياراً دائماً، لا استجابة موقتة للظروف. فالعالم لا ينتظر المترددين، والمستقبل لا يكافئ من يكتفي بمراقبة الأحداث.

ولعل أهم درس يقدمه لنا هذا العصر هو أن البقاء للأكثر استعداداً، لا للأكثر اطمئناناً. فالأمم التي تنظر إلى الغد بعين التخطيط، وتستثمر في الإنسان قبل الحجر، وتبني مؤسساتها على الكفاءة والنزاهة، هي التي تكتب تاريخها بيدها، ولا تسمح للظروف أن تكتبه عنها.

ففي عالم سريع التحول، لا يكفي أن نحافظ على ما لدينا، بل يجب أن نمتلك الشجاعة لنبني ما يستحقه الغد.

محام وكاتب كويتي

آخر الأخبار