حديث الأفق
الإمبراطور طلب كبير الصاغة لصناعة إكليل من الذهب
الفائز في المسابقة كان قدم خدمات جليلة للوطن
استنفر الجميع للمشاركة وكلهم على أتم الاستعداد
في اليوم الموعود أعطى الإمبراطور الإذن ببدء السباق
الطبيب: ما أطلبه من أجر أن تخفف عن رعيتك الألم
الشاعر ألقى قصيدة تغنّى فيها بحب الوطن
ذُهل الإمبراطور من ملاحظات المهندس العسكرية القيمة
رأى امرأة مُسنّة منحنية تنظر إلى المشهد باهتمام
خروتشوف حين زار بعض المصانع لفت نظره عامل
سأل عن سيرته فوجده منضبطاً فأمر بأن يُمنح بيتاً
لقد أعطوك البيت والسيارة لكن يبدو لم تقرأ الـ"برافدا"!
بناء الدول يبدأ من بناء المواطن، وإذا كان البناء جيداً، تصبح الدولة قوية، ولهذا من الأساس حين تكون مبنية على أم عملت على صناعته، بالطرق الصحيحة، وصدق الشاعر المصري الراحل حافظ ابراهيم حين قال:
"الأمُّ مدرسةٌ إذا أعدَدتَها
أعدَدتَ شعباً طيِّبَ الأعراق"
فالأم تبني الأجيال، وتسهر على إعداد المرء منذ نعومة أظفاره، ولهذا فهي أخذت مكانة في التاريخ.
ففي القصة الأولى من "حديث الأفق" اليوم، قصة رمزية عن صناعة الأجيال، بينما في القصة الثانية، كيف تنهار الدولة، عندما يأتي الفساد من الأعلى، ويكون المواطن المجتهد واقعا تحت مدير فاسد، لهذا فإن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يبدأ في تسعينيات القرن الماضي، بل بدأ منذ عشعش الفساد في الدوائر الصغرى، والمصانع، وثمة رمزية في القصة المأخوذة من روسيا.
في القصة الأولى: استدعى إمبراطور كبير الصاغة في البلاد، وطلب منه أن يصنع له إكليلاً من الذهب الخالص، وقال إنه يجهزه لمسابقة مهمة.
بعد أسبوع، عاد الصائغ، ومعه إكليل كان في قمة الروعة، والجمال.
فأعلن الإمبراطور، عبر المُنادين في المدينة، عن مسابقة ستقام بعد شهر، وأن الفائز فيها يجب أن يكون قد قدم خدمات جليلة للوطن.
استنفر الجميع للمشاركة: النحاتون، الشعراء، المهندسون، والأطباء، وكلهم على أتم الاستعداد.
وفي اليوم الموعود، نُصبت المنصة، وجلس الإمبراطور على كرسيه العالي، وأعطى الإذن ببدء السباق.
فتقدم شاب في مقتبل العمر، وقال: "يا عالي المقام، أنا طبيب، وقد ألفت كتاباً في الطب، فيه وصف لأدوية لم تكن معروفة من قبل، وأدوية متنوعة للصداع، وحرقة الكبد، وقرحة المعدة، وغيرها من الأدوية. وما أطلبه من أجر، هو أن أخفف عن رعيتك الألم.
ذُهل الإمبراطور من علمه، وصفّق له كثيراً، وقال في خلده: "طبيب شاب، بهذه المهارة، وبهذا الحب لوطنه، يبشر بالخير"، وبعدها طلب منه أن يعود إلى مكانه.
ثم تقدم شاب آخر، وقال: "يا عالي المقام، أنا شاعر، وقد نظمت قصيدة أريد أن تسمعها"، وألقى قصيدة تغنى فيها بمكارم الأخلاق، وحب الوطن، ومآثر الأجداد، وختمها بالدعاء لعالي المقام.
أعجب الإمبراطور ببلاغته، وقال في نفسه: "كيف لشاب في مقتبل العمر أن يملك كل هذه البلاغة"؟ ثم قال: "هذا خير يبشر بالخير"، وعاد الشاب إلى مكانه.
ثم تقدم ثالث، وقال: "يا عالي المقام، أنا مهندس، وقد جلت أرجاء البلاد، ولم أجد حصوناً تحصن الإمبراطورية أمام الأعداء، فهذا الجسر يجب أن يُهدم، لأنه سيكون ممراً للأعداء إن هاجمونا ويُبنى آخر هنا، والقلعة لا تصلح أن تكون في أسفل الجبل، فهي ستصبح سجناً إذا حاصرنا الأعداء، بل يجب أن تكون على القمة، لنرميهم ولا يرموننا. وهذه ملاحظاتي العسكرية، وأرجو أن تزود بها قادة الجند.
ذُهل الإمبراطور مما سمع، وقال: "ما الذي أسمع وأرى؟
"بلاد تبشر بالخير"، وطلب منه أن يعود إلى مكانه، وقبل أن يُنادى على المتسابق الرابع، رأى امرأة مسنّة منحنية على عكازها، تنظر إلى المشهد باهتمام.
قال في خلده: "ليس من اللباقة أن أترك هذه السيدة تنتظر"، فناداها، وطلب منها أن تتقدم، فوقفَت بين يديه. وقال لها: "ما الذي لديكِ لتريه لي"؟
فقالت: "يا عالي المقام، أنا لست متسابقة، لكنني أم هؤلاء الشباب الثلاثة، الشاعر، والطبيب، والمهندس، وقد جئت لأرى من منهم يفوز بالجائزة".
عندها نهض الإمبراطور، وقال: أيها السادة لقد انتهت المسابقة وعندنا فائز واحد، ضعوا الإكليل على رأس صانعة الرجال".
خروتشوف والعامل الذي لم يقرأ الـ"برافدا"
أثناء زيارة الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف (الذي حكم الاتحاد السوفياتي بين عامي 1953 و1964) إلى بعض المصانع، لفت نظره عامل ماهر نشيط، ودؤوب، فسأل عن سيرته فوجدها منضبطة، فأمر بأن يُمنح عربة وبيتاً.
ومرت الأيام، وفي عيد العمال التالي جال خروتشوف في جولة مرة أخرى، ومرّ على المصنع نفسه، ووجد العامل ذاته، وأعجب به ثانيةً لتواصل عطائه، فأمر بمكافأته بعربةٍ وبيت، فقال له العامل: يا سيادة الرفيق، أنا الشخص نفسه الذي كافأته العام الماضي بعربة وبيت، لكنني لم أتسلمهما!
فسأل خروتشوف مدير المصنع: لماذا لم تنفذوا كلامي؟
فما كان من مدير المصنع إلا أن أحضر له جريدة الـ"برافدا"، الجريدة الرسمية للحزب الشيوعي السوفياتي وقال له: أعطيناه العربة والبيت، وهذه صورته يقف أمام البيت والعربة.
فقال خروتشوف للعامل: لقد أعطوك يا بني البيت والسيارة، لكن يبدو أنك لا تقرأ الـ"برافدا".