في القانون الجزائي، لا تُعاقب النوايا المجردة، ولا تُدان الأفكار الكامنة في الصدور؛ فالقانون لا يحاكم ما يدور في العقول، إنما يحاكم ما يخرج إلى حيز الفعل.
وبين لحظة الفكرة ولحظة التنفيذ يقف القانون موقفاً دقيقاً، يوازن بين حرية الإنسان في التفكير وبين حماية المجتمع، فلا يتدخل إلا إذا غادرت الإرادة عالم الخيال، إلى سلوك تنفيذي أو شروع جاد يُنشئ خطراً حقيقياً على الحق الذي يحميه القانون.
ولأن الحرية الفردية من أسمى الحقوق التي كفلتها الشرائع والقوانين، فقد أُبيح للإنسان أن يُحدث نفسه بما يشاء، وأن يُطلق لفكره العنان حيث يشاء؛ لأن العدالة لا تُبنى على الظنون، إنما تقوم على الأفعال، ولا يُدان الإنسان بما أضمر، وإنما بما أظهر.
ولم تبتدع التشريعات الحديثة مبدأ عدم العقاب على مجرد النية أو التفكير، إنما ورثته عن أصل أرست دعائمه الشريعة الإسلامية؛ إذ جاء في الحديث الشريف قول رسول الله (عليه الصلاة والسلام): "إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم". ومن هذه القاعدة الراسخة استمدت التشريعات الجنائية الحديثة أحد أهم مبادئها، فأصبح من المسلم به أنه لا عقاب على مجرد النية أو التفكير، ما لم يترجم ذلك إلى فعل يجرمه القانون.
وسار قانون الجزاء الكويتي على النهج ذاته، فأقر هذا المبدأ صراحةً في المادة 45 منه، إذ نص على أن "الشروع في جريمة هو ارتكاب فعل بقصد تنفيذها إذا لم يستطع الفاعل، لأسباب لا دخل لإرادته فيها، إتمام الجريمة. ولا يعد شروعاً في الجريمة مجرد التفكير فيها، أو التصميم على ارتكابها".
ومن هنا يبرز فارق دقيق بين صورتين قد يلتبس فهمهما على البعض، رغم اختلاف أثرهما في ميزان المسؤولية الجنائية؛ وهما الاشتراك في الشروع، والشروع في الاشتراك. فالاشتراك في الشروع يفترض أن الإرادة الإجرامية تجاوزت حدود التفكير إلى دائرة التنفيذ؛ إذ يتدخل شخص بالتحريض، أو الاتفاق، أو المساعدة، ثم يبدأ الفاعل الأصلي في تنفيذ الجريمة، إلا أن أسباباً خارجة عن إرادته تحول دون إتمامها. وهنا تنهض مسؤولية الشريك؛ لأنه أسهم في مشروع إجرامي انتقل من مجرد الفكرة إلى ميدان التنفيذ.
أما الشروع في الاشتراك، فهو صورة مغايرة لا يكتمل فيها البناء الإجرامي؛ إذ يحاول شخص دفع غيره إلى إرتكاب جريمة، فيرفض، أو لا يستجيب، أو لا يخطو خطوة واحدة نحوالتنفيذ. فتبقى إرادة المحرض حبيسة النية، دون أن تقوم جريمة أصلية تتصل بها المسؤولية؛ ولذلك لا يعاقب على مجرد الشروع في الاشترك، إلا إذا وجد نص خاص يقرر خلاف ذلك. وهنا تتجلى دقة الميزان الجنائي؛ فالاشتراك لا يعيش مستقلاً عن الجريمة الأصلية، بل يستمد وجوده منها، ويقوم بقيامها، وينتفي بانتفائها. فالقانون لا يعاقب على إرادة لم تجد طريقها إلى الواقع، ولا يمد يده إلى مجرد احتمال.
غير أن هذا الأصل ليس على إطلاقه؛ إذ قد يرى المشرع أن بعض صور السلوك، وإن لم تبلغ حد الشروع في الجريمة المقصودة، تنطوي بذاتها على خطر يهدد المجتمع أو يمس أمنه، فيُفرد لها نصوصاً خاصة، ويُقيم لها مسؤولية جنائية مستقلة. ومن أبرزها التهديد بارتكاب جناية، أو بإيقاع ضرر بالنفس أو المال أو السمعة، سواء وقع شفهياً او كتابةً، وفقا للمادة 173 من قانون الجزاء الكويتي، وبعض صور الاتفاق الجنائي، وبعض صور التحريض الذي أفرد له المشرع نصاً خاصاً، كتحريض أحد أفراد القوات المسلحة، أو الشرطة على التمرد، أو التحريض العلني على قلب نظام الحكم.
فضلاً عن بعض الأعمال التحضيرية التي تشكل جرائم قائمة بذاتها ومنها؛ إعداد مواد مخصصة للإجهاض مع العلم بالغرض منها، وتقليد العملة، وصناعة الآلات، أو الأدوات المعدة لتقليد الأوراق النقدية، أو تزويرها، وحيازة السلاح أو حمله دون ترخيص.
وهكذا يبقى ميزان العدالة قائماً على يقين لا يتبدل؛ فلا يقتحم القانون سرائر النفوس، ولا يُؤاخذ الإنسان بما أخفاه صدره، أو مر بخاطره، إنما تمتد يده حين تغادر النية عالم الفكر إلى سلوك يجرمه القانون. فبين الصمت والفعل يقف القانون حارساً للحرية، وحامياً للمجتمع...وهناك فقط يبدأ سلطان القانون.
مستشار قانوني