الاثنين 10 أغسطس 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الغزو العراقي ... رواية انتصار
play icon
كل الآراء

الغزو العراقي ... رواية انتصار

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 09 أغسطس 2026
خالد أحمد الطراح

طوت الكويت ستةً وثلاثين عاماً على ذكرى الغزو العراقي، في حين لا تزال صفحات من كتاب الحقائق والوقائع مفتوحة على استفهامات مشروعة!

فالذاكرة الوطنية، على رسوخها العاطفي، لم تُستكمل مؤسسياً كما ينبغي؛ إذ تأخر التوثيق الرسمي، وجاء في محطات انتقائياً وخجولاً، لا يوازي جسامة الحدث، ولا حجم الثمن الذي دفعته الدولة والمجتمع.

ليس من الدقة الجزم أن وقائع الغزو قد وُثقت جميعها.

فكلما حلّت الذكرى، عادت التساؤلات والتحفظات إلى الواجهة: أين الأرشفة الوطنية المنهجية، وأين السردية التعليمية المتماسكة التي تنقل الحقائق إلى الأجيال الجديدة، وأين الحضور الإعلامي السنوي القادر على تحويل الذكرى من مناسبة عاطفية عابرة إلى مشروع وعي وطني مستدام، يرسّخ الدروس والعبر، ويجعل منها مناسبة تبعث على الفخر والاعتزاز بالهوية الكويتية وتاريخها الوطني؟

ليس من الدقة الجزم بأن وقائع الغزو قد وُثِّقت جميعها.

في المقابل، ووفق معادلات السردية في العراق، لم تغادر الغوغائية فضاء الشارع، فيما واصلت الشعبوية توجيه القرار السياسي في بغداد.

ويتجلى ذلك كلما اشتدت العواصف الداخلية في العراق، فتنفتح ملفات الحدود، وتتصاعد حدة الخطاب تجاه الكويت، كما حدث أخيراً في مسألة إيداع الإحداثيات البحرية لدى الأمم المتحدة.

ولا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن ثقل النفوذ الإيراني في دوائر القرار الرسمية في بغداد.

فإيران تمارس تأثيراً واضحاً في مفاصل الدولة العراقية، من تشكيل الحكومات، إلى إدارة صناعة السياسات والقرارات في بغداد، وتغذية الطائفية، بما يجعل الخطاب الحدودي جزءاً من لعبة إقليمية أوسع.

غير أن الإشارة إلى هذا الواقع لا تُعفي الكويت من مسؤولية داخلية ملحة:

مسؤولية سد فجوة الوعي الوطني، وترميم الفراغ، الثقافي والإعلامي، الذي يعتري ملف الغزو.

فالغزو لم يكن حادثة عابرة، أو رواية سياسية قابلة للاختزال، بل جريمة دولة قادها رئيس دولة، ونظام سياسي، وجيش نظامي، في مواجهة دولة ذات سيادة معترف بها دولياً.

لقد سطر الكويتيون ملاحم مقاومة وصمود، وكانت متابعة المجتمع الدولي دقيقة، ما أسهم في حشد التأييد لشرعية القيادة السياسية وعدالة القضية.

ويشكل مؤتمر "جدة الشعبي"، الذي انعقد إبان الغزو، محطة مفصلية في ترسيخ الالتفاف الشعبي حول القيادة، وقاعدة صلبة في بناء الرواية الوطنية وتاريخها.كما انطلقت في الخارج تحركات شعبية منظمة في عواصم القرار، من القاهرة إلى واشنطن، شاركت فيها شرائح المجتمع كافة، وتدفقت أعمال، أدبية وفنية، وثقت المأساة وعرت الاحتلال أمام الرأي العام العالمي.

السؤال الجوهري اليوم: هل حُفظت هذه الصفحات في المناهج الدراسية؟

هل تُستعاد سنوياً ضمن خطة، تعليمية وإعلامية، وطنية ممنهجة؟

الواقع يشير إلى أن الجهد الرسمي لم يبلغ المستوى الذي يوازي حجم كارثة الغزو، وعمق الانتماء الوطني الكويتي، وبطولة التضحيات على المستويين العسكري، والمدني والشعبي، داخل الكويت وخارجها.

إن المقارنة بين شعبوية تقود القرار في بغداد، وهدوء كويتي أقرب إلى التحفظ المفرط في صناعة الوعي، تكشف مفارقة لافتة: هناك شارع يُستثمر سياسياً، وهنا شارع لم يُستثمر وعيه بما يكفي.

تلك ليست دعوة إلى تعبئة انفعالية، بل إلى مشروع وطني هادئ وعميق: أرشفة شاملة، مناهج دراسية دقيقة، إنتاج ثقافي وفني مستدام، وإعلام يستحضر الحدث طوال العام، لا في موسم ذكرى التحرير فقط. فالدول التي لا تُحسن كتابة ذاكرتها، تترك فراغاً يملؤه الآخرون.

تظل ذكرى الغزو العراقي ملحمة بطولة كويتية، وانتصاراً سياسياً، منذ الثاني من أغسطس 1990 حتى التحرير، وصولاً إلى مرحلة إعادة البناء في التسعينيات من القرن الماضي، وليست ذكرى هزيمة كما يصورها البعض. فقد صمدت الكويت بشعبها، وتمسكت بشرعيتها تحت راية قيادتها السياسية.

لدينا رواية انتصار، وبطولة سياسية وشعبية، لكنها لم تُستثمر كما ينبغي، ولم تنل حقها من التحليل والتوثيق، وإبراز دلالاتها الوطنية والتاريخية.

ذكرى الغزو العراقي تظل ملحمة بطولة كويتية وانتصار سياسي منذ الثاني من أغسطس 1990 حتى التحرير، وإعادة البناء في التسعينات، لا هزيمة كما يصورها البعض، فالكويت صمدت بشعبها، وتحت راية القيادة الشرعية.

لدينا رواية انتصار وصمود، وبطولة سياسية وشعبية وحكومية، لكنها لم تستثمر، ولم تأخذ حقها في التحليل والتوثيق.

آخر الأخبار