الاثنين 10 أغسطس 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كيف نصنع موزارت جديداً؟
play icon
كل الآراء

كيف نصنع موزارت جديداً؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 09 أغسطس 2026
الشيخ م.فهد داود الصباح

العنوان ليس محصوراً فقط بشخص واحد، بل هو نموذج يقوم على البحث عن ذلك الطفل الذي ظهرت لديه إشارة صغيرة وغير عادية، عن جانب ابداعي معين، لكن قبل كل شيء علينا أن نسأل انفسنا: هل سنلاحظ تلك الاشارة... نختبرها، وهل سنضع أمامه أفضل معلم، ونمنحه فرصة الاحتكاك بمن يتفوق عليه؟

وقبل كل هذا: هل سنملك الصبر لنرى ماذا يمكن أن يصبح بعد عشر سنوات؟

كل هذا متاح إذا اردنا صناعة العبقرية من الصفر، لكننا علينا قبل ذلك صناعة البيئة التي تسمح بظهور تلك العبقرية، فقد يكون بين أطفالنا اليوم موزارت جديداً، لكن علينا ان نكتشف ما إذا كان يستطيع أن يصبح موزارت، داخل الملعب، في قاعة الموسيقى، في الادب، والطب وغيرها... وغيرها.

في المقابل، كثيراً ما نخطىء الهدف، إذ اننا نبحث عن التفوق في مكان واحد: الدرجات المدرسية، بينما العقل البشري أكثر تنوعاً من ورقة امتحان، فقد يحصل طفل على درجات عادية في المدرسة، بينما يمتلك قدرة استثنائية لم يُصمم الامتحان أصلاً لاكتشافها.

هنا تصبح مسؤولية الأسرة والمدرسة، والمجتمع أكبر، لان علينا أن ننتقل من ثقافة تسأل الطفل: كم حصلت في الامتحان، إلى ثقافة تسأل أيضاً: ما الامر الذي تستطيع فعله، بصورة مختلفة عن الآخرين؟

من هنا تبدأ المهمة الأصعب: الاختبار والتجربة. نعرض الطفل للموسيقى، والرياضة، والبرمجة، والعلوم، والفنون واللغات والتصميم، والـ"روبوتات"، ونراقب أين يظهر الفضول، والتعلم بسرعة غير معتادة، وأين يستطيع الاستمرار لساعات دون أن يشعر بالملل، فالموهبة كثيراً ما ترسل إشاراتها، قبل أن يعرف الطفل نفسه أنه موهوب.

حين كان فولفغانغ أماديوس موزارت في الثالثة من عمره، لم يكن أحد يعرف أن هذا الطفل الصغير في سالزبورغ سيصبح، بعد سنوات، أحد أعظم الموسيقيين في تاريخ البشرية.

كان يجلس بالقرب من أخته الكبرى، وهي تتلقى دروس الموسيقى من والدهما ليوبولد موزارت. يراقب، ويستمع، ثم يقترب من لوحة المفاتيح محاولاً اكتشاف النغمات بنفسه، وهنا لفت انتباه الاب، وعمل على تنمية ذلك، فالطفل الموهوب الذي يبقى دائماً الأفضل في محيطه قد يتوقف عن التطور، أما عندما يلتقي بمن يتفوق عليه، فإنه يكتشف أن أمامه مستوى جديد، يمكن الوصول إليه، فصناعة المواهب ليست مشروعاً عائلياً فقط، بل يمكن أن تكون مشروع دولة.

تخيل لو امتلكنا نظاماً تربوياً يبدأ من السنوات الأولى للطفل، لاكتشاف قدراته في عشرات المجالات، ثم تُبنى لكل موهبة واعدة رحلة تطوير طويلة المدى، فالهدف الواقعي ألا تضيع موهبة استثنائية فقط، لأن أحداً لم يلاحظها في الوقت المناسب.

وهنا ربما تكون قصة موزارت أكثر من قصة موسيقي عاش قبل قرنين ونصف القرن، بل هي قصة عن الإمكانات البشرية.

لقد وُلد موزارت بقدرة نادرة، لكن القدرة وجدت أباً يلاحظها، وبيتاً يحتوي على الموسيقى، وتعليماً مبكراً، وتدريباً مستمراً، ثم قارة كاملة تقريباً يتعلم منها.

إن المعادلة ببساطة تبدأ من الموهبة، التدريب، وابتكار الفرصة، فكل هذا يتحول إلى إنجاز استثنائي، وغياب عنصر أساسي قد يخفض النتيجة كلها، ولهذا، عندما نبحث عن موزارت القادم، ربما نبحث في المكان الخطأ.

آخر الأخبار