الثلاثاء 11 أغسطس 2026
34°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
رسالة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب
play icon
كل الآراء

رسالة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 10 أغسطس 2026
د.عبدالله محمد الطريجي

إن طريق العبدلي ليس مجرد طريق في شمال الكويت، نعبره ثم نمضي، بل هو جزء من ذاكرة وطن، وشاهد صامت على سنوات من الخطر والعدوان، والتضحية والصمود.

على امتداد هذا الطريق كتبت أحداث من تاريخ الكويت، بلهيب الصواريخ، وآثار الحرب ودماء الشهداء.

في ثمانينيات القرن الماضي تعرضت الكويت للاعتداءات، وسقطت الصواريخ الإيرانية على منشآتها وآبار نفطها، ثم جاء الثاني من أغسطس عام 1990، ليشهد وطننا أبشع عدوان في تاريخه الحديث، حين اجتاح الجيش العراقي أرض الكويت واحتلها، ودمر منشآتها، وروّع أهلها.

وكان طريق العبدلي شاهداً على فصل من فصول تلك المأساة، ثم شاهداً على يوم التحرير، وعلى اندحار جيش الاحتلال، وفراره من أرض الكويت، بعد أن ترك خلفه آثار الدمار والخراب.

وعلى هذه الأرض سقط للكويت شهداء، رجال رحلوا وبقيت دماؤهم أمانة في أعناقنا، وبقيت المواقع التي شهدت تلك الأحداث شاهدة على تضحياتهم، وعلى الثمن الذي دفعته الكويت من أجل حريتها، وسيادتها وكرامتها.

واليوم لا تزال هناك مبان، ومواقع، وآثار تحمل جراح حرب تحرير الكويت، وبعضها يقف منذ أكثر من ثلاثة عقود شاهداً على ما جرى.

هذه ليست أطلالاً، وليست حجارة قديمة، ولا مباني انتهى عمرها، إنها ذاكرة الكويت. إنها صفحات من تاريخنا مكتوبة على أرضنا. إنها أدلة مادية لا تستطيع الكلمات، ولا الصور وحدها أن تعوضها إذا اختفت.

ومن المؤلم أن يأتي يوم تزال فيه هذه الشواهد، أو تنهار، أو تندثر، ثم نكتشف أننا فقدنا جزءاً من تاريخ الكويت، كان بإمكاننا إنقاذه. فما يهدم اليوم لن نستطيع إعادته غداً، وما يمحى من الأرض، قد لا يبقى منه للأجيال إلا صورة أو حكاية.

ومن هنا فإنني أناشد المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أن يبادر إلى حصر هذه المواقع، والمباني والآثار التاريخية على طريق العبدلي، وفي المناطق المحيطة به، وأن يعمل على توثيقها وتصنيفها، وحماية ما يستحق منها الحماية، ومنع إزالته، أو العبث به، ودراسة تحويل أبرز هذه المواقع إلى شواهد وطنية موثقة، تحمل لوحات تعريفية تروي للأجيال حقيقة ما حدث على هذه الأرض. نريد لأبنائنا وأحفادنا بعد 50 عاماً، و مئة عام، أن يقفوا أمام هذه الشواهد، ويروا بأعينهم آثار العدوان، وأن يعرفوا أن الحرية التي يعيشونها لم تكن هدية، وأن الكويت التي ينعمون بأمنها اليوم، دفع من أجلها رجال أرواحهم ودماءهم.

نريد أن تبقى هذه المواقع شاهدة، عندما يرحل شهود ذلك الزمن،

وأن تتحدث عندما تصمت الذاكرة، وأن تبقى دليلاً عندما يحاول البعض تحريف التاريخ أو إنكاره.

لقد تعرضت الكويت عبر تاريخها الحديث لأخطار واعتداءات مختلفة، وها نحن في زمن لا تزال فيه الصواريخ والطائرات المسيرة تذكرنا، بأن أمن الأوطان وسيادتها لا ينبغي أن يؤخذا أمراً مسلماً به.

ولهذا فإن حماية آثار العدوان على الكويت ليست تمجيداً للحرب، بل تخليد للسلام الذي دفعنا ثمنه، وحفظ لذاكرة وطن قاوم، وصمد وانتصر.

إن الأمم العظيمة لا تهدم شواهد تاريخها، ولا تترك ذاكرتها تأكلها الشمس والرمال والزمن، بل تحفظها، وتوثقها، وتحول الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى درس، والدرس إلى وعي يحمي الأجيال القادمة.

هذه المواقع ليست ملكاً لنا وحدنا، حتى نقرر زوالها، إنها حق لمن استشهدوا على هذه الأرض، وحق لمن عاشوا مرارة الاحتلال، وحق لأبنائنا وأحفادنا، وحق للكويت.

فاحفظوا ما تبقى من شواهد تلك الأيام قبل أن يأتي يوم نبحث عنها فلا نجد إلا مكاناً خالياً، ونقول هنا كان جزء من تاريخ الكويت.

حفظ الله الكويت، وحفظ أرضها وشعبها، ورحم شهداءها، وحفظ ذاكرتها من النسيان، فالوطن الذي يحفظ تاريخه يحفظ هويته،

والكويت تستحق أن تبقى ذاكرتها حية ما بقيت الكويت.

محام كويتي

آخر الأخبار