حين تعجز الدول عن إدارة ما تملكه بحكمة وكفاءة، فالثروة وحدها لا تصنع دولة قوية. فالتاريخ يثبت أن الأمم لا تنهض بما تمتلكه من نفط، أو غاز أو ثروات، إنما ما يصنع الدول ويحميها هو قدرتها على بناء مؤسسات قوية وراسخة، وسيادة القانون، وحسن إدارة مواردها، والاستثمار في الإنسان. فهي الثروة الحقيقية التي تصنع الدول وتحميها.
ويقدم لنا التاريخ كثير من الدروس فقد استطاعت دول محدودة الموارد، أن تتحول إلى قوى اقتصادية متقدمة، بفضل الإدارة الحكيمة والمتزنة، وبناء المؤسسات، والاستثمار في التعليم والمعرفة.
وفي المقابل هناك دول أخرى تمتلك ثروات هائلة، لكنها أهدرتها حتى غرقت في الأزمات بسبب سوء الإدارة، والفساد، وضعف المؤسسات، حتى حولت الوفرة إلى أزمات، وأصبحت الثروة التي كان يفترض أن تكون مصدر قوة تحولت عبئاً يهدد استقرار الدولة ومستقبلها.
لو نظرنا إلى سنغافورة، كدولة صغيرة محدودة الموارد الطبيعية، وتعاني من فقر وفساد، وبطالة وتوترات عرقية، لكنها تحولت خلال عقود قليلة إلى واحدة من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، بفضل الإدارة الرشيدة، ومكافحة الفساد، والاعتماد على الكفاءة، والمؤسسات والاهتمام بالإنسان والتعليم. وفي المقابل، إيران تمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز والموارد الطبيعية، وقاعدة، صناعية وزراعية، كبيرة إلى جانب موقعها الجغرافي الستراتيجي.
ورغم كل هذه المقومات يعاني اقتصادها من أزمات متواصلة، ويعاني مواطنوها ارتفاعا في معدلات الفقر والبطالة، وتضخماً مرتفعاً أضعف قدرتها الشرائية، كما شهدت العملة الوطنية تراجعاً كبيراً في قيمتها على مدار السنوات.
ظل النظام لعقود ينفق على البرامج، العسكرية والنووية، والانخراط في صراعات إقليمية، والمواجهات المستمرة مع المجتمع الدولي، مع فرض عقوبات شاملة أثرت بشكل كبير في الاقتصاد، وأضعفت فرص التنمية والاستثمار، وزادت الأعباء على المواطن الإيراني.
إن الأنظمة الاستبدادية التي تجعل الحفاظ على السلطة أولوية، وتقدمها على التنمية والإصلاح، ورفاهية شعوبها، وتجعل القوة الأمنية هي من تدير مفاصل الدولة، غالبا ما تنتهي هذه الدول إلى عزلة داخلية وخارجية.
والتاريخ مليء بأمثلة لقادة وأنظمة ظنوا أن حكمهم سيستمر إلى الأبد، لكنهم غادروا المشهد السياسي بطرق مؤلمة، وتركوا شعوبهم تعيش بين الألم والفوضى، وبقيت تتحمل كلفة سياساتهم الخاطئة. فالسلطة قد تدوم لبعض سنوات، لكنها لا تدوم إلى الأبد، أما إرادة الشعوب فهي الباقية.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن التنمية، وتقدم الدول لا تبنى بالشعارات، ولا القوة العسكرية وحدها، إنما بالاستقرار، والاندماج مع المجتمع الدولي، والاقتصاد المنتج، واحترام القانون، والانفتاح على العالم.
فالثروة التي لا تدار بحكمة قد تتحول إلى عبء، بينما تستطيع الدول الفقيرة في الموارد، أن تصنع مستقبلاً مزدهراً، إذا امتلكت قيادة رشيدة ومؤسسات فاعلة.
الدرس الذي يقدمه التاريخ واضح، فالدول لا تسقط عندما تنضب مواردها، بل عندما تهدر تلك الموارد في صراعات لا تخدم مصالح شعوبها، وعندما تغيب المساءلة، ويحل الولاء محل الكفاءة، وتقدم الأيديولوجيا على التنمية.
أما الدول التي تجعل الإنسان محور سياساتها، وتحترم كرامة مواطنيها، وتؤمن أن قوة الدولة تبدأ من قوة اقتصادها ومؤسساتها، فهي وحدها القادرة على البقاء وصناعة المستقبل.
كاتب كويتي