قراءة دولية في دلالات "اتفاق مكة للدفاع المشترك"
بصفتي متابعاً للشأن الستراتيجي، والأوروبي والدولي.
يمكن النظر إلى توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، بوصفه محطة مفصلية، تعيد رسم خارطة التحالفات الأمنية الإقليمية والعالمية. فهذا التكتل الستراتيجي لا يقتصر تأثيره على النطاق الجغرافي للدول الثلاث فقط، بل يمثل هندسة أمنية جديدة تفرض نفسها بقوة على المعادلات الدولية، في مرحلة يعيد فيها العالم تشكيل توازناته.
الأبعاد الستراتيجية والدولية للاتفاق
معادلة الردع الشامل:إن النص الذي ينص على أن "أي هجوم مسلح على أيٍّ من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع"، يرسّخ دعامة ردع صلبة، شبيهة بمعاهدات الدفاع الجماعي الكبرى في النظام الدولي. ويؤدي هذا الترابط العسكري إلى رفع كلفة أي مغامرة عدائية في مناطق التوتر الحساسة.
التقاء القوى الكبرى في العالم الإسلامي:
يجمع الاتفاق بين ثلاثة أركان ستراتيجية كبرى؛ الثقل، الاقتصادي والروحي، للمملكة العربية السعودية، والقوة العسكرية والجيوسياسية لتركيا (بعمقها الأوراسي والأطلسي)، والقدرات النووية، والكتلة السكانية لباكستان. وينتج عن هذا التكامل قوة استقرار، إقليمية وعالمية، لا يمكن تجاوزها.
التحول نحو الأمن الذاتي:
يعكس الاتفاق توجهاً ستراتيجياً دولياً، متنامياً، نحو بناء منظومات أمنية إقليمية قادرة على حماية مصالحها، بمعزل عن الاعتماد المطلق على المظلات الأمنية التقليدية، مما يعزز الاستقرار المستدام، وفق رؤية الدول المعنية نفسها.
دور ولي العهد السعودي في هندسة التوافق الدولي
من منظور ديبلوماسي وستراتيجي أوروبي، يسجل للمهندس الفعلي لهذا الاتفاق، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نجاحه المبهر، وطويل الأمد في بلورة هذه الشواهد، وتذليل التعقيدات الجيوسياسية المعقدة، على مدار فترة طويلة، وصولاً إلى تتويجها في مكة المكرمة.
لقد أثبت ولي العهد من خلال هذا الإنجاز براعة استثنائية في:
1 - الديبلوماسية الهادئة وطويلة النَّفَس: بناء جسور الثقة بين عواصم تتمتع بأوزان ستراتيجية مختلفة، وتوجيهها نحو هدف أمني مشترك يخدم السلم العالمي.
2 - البراغماتية السياسية: القدرة على تحويل الروابط، التاريخية والأخوية، إلى أطر مؤسسية وقانونية مُلزمة للدفاع المشترك.
3 - صناعة القرار الاستباقي: استباق التحديات الأمنية العالمية، برؤية تؤسس لمنظومات ردع تحمي المنطقة والعالم، من هزات الاضطرابات المتتالية.
إن اتفاق مكة للدفاع المشترك ليس مجرد معاهدة عسكرية تقليدية، بل هو وثيقة ستراتيجية دولية، تؤذن بميلاد محور جديد للاستقرار، يعيد صياغة مفاهيم الأمن الإقليمي والدولي، ويؤكد أن الرياض أصبحت مركزاً لصياغة القرارات الكبرى، التي ترسم مستقبل الأمن والسلام في المنطقة، مع امتداداتها وتأثيراتها العالمية.
رئيس الاتحاد الديبلوماسي الدولي