رحيل سامي محمد يعيد سؤالاً قديماً عن معنى التقدير الحقيقي لأصحاب الفن، والإبداع في الكويت.
سنكتب عن سامي محمد... سنترحم عليه، ونستعيد أعماله، ونتحدث عن مكانته وريادته، وعن لوحاته ومنحوتاته، التي حملت هموم الإنسان... وهذا كله يستحقه.
لكن ثمة سؤالٌ أكثر إيلاماً ينبغي أن نسأله ونحن نودعه: هل عرفنا كيف نُقدّر سامي محمد وهو بيننا، وهل نعرف أصلاً كيف نُقدّر أصحاب الإنجاز وهم أحياء؟
والمفارقة المؤلمة أن الرجل الذي جسّدت أعماله الألم والقهر، والصبر والمعاناة، لم تكن هذه المعاني بعيدة عن تجربته، هو أيضاً.
ففي الثمانين من عمره، وبعد مسيرة فنية امتدت لنحو 65 عاماً، ظل يسعى إلى تحقيق حلم متحف يضم أعماله.
اشترى الأرض بنفسه، وادخر من أجل المشروع، حتى استطاع أخيراً أن يقف داخل متحفه، ويرى حلمه أمام عينيه. ثم لم تمضِ سوى سنتين تقريباً حتى رحل.
لا أعرف لماذا يجب أن تكون قصص المبدعين عندنا بهذه القسوة، وليس الحديث عن سامي محمد وحده. فكم من أصحاب العطاء أمضوا سنوات يصنعون أثرهم بصمت، ثم اكتشفنا عند رحيلهم كم منحوا الكويت من حضور وسمعة، لا تصنعها حملات العلاقات العامة وحدها؟
وهنا تكمن المشكلة: التقدير الحقيقي منظومة.
شراء لوحة ليس صدقة للفنان، وشراء كتاب ليس منّة على الكاتب، ودفع قيمة عمل إبداعي ليس إحساناً إلى صاحبه.
إنها ببساطة الطريقة التي نقول بها: ما صنعته له قيمة تستحق أن يُدفع مقابلها.
فالإبداع يحتاج إلى أدوات، ووقت، ومساحة، ومال. ولا يستطيع الإنسان أن يعيش على التصفيق.
التقدير ليس حفلاً، ولا درعاً، ولا شهادة، ولا صورة.
أن تشتري وزارة، أو مؤسسة، أعمال الفنانين وتعرضها في مبانيها هو تقدير. وأن تخصص شركة جزءاً من ميزانيتها لاقتناء الفن المحلي هو تقدير.
وليس المطلوب أن تتحول الدولة إلى مشترٍ لكل لوحة، ولا أن يصبح الدعم استحقاقاً لكل من يصف نفسه بالمبدع.
المطلوب أن نبني ثقافة تعرف قيمة الإنجاز، قبل أن يتحول صاحبه إلى خبر وفاة.
المبدعون لا يحتاجون منا أن نكتشف قيمتهم بعد رحيلهم. يحتاجون أن يشعروا بهذه القيمة وهم بيننا.
... رحم الله سامي محمد، وأسكنه فسيح جناته.