الجمعة 14 أغسطس 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الصّدمةُ... في الأهداف
play icon
كل الآراء

الصّدمةُ... في الأهداف

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 14 أغسطس 2026
د.جورج شبلي

إنّ القراءةَ المعمَّقة لِما يجري، عندَنا، اليوم، تقودُنا الى ما أشار إليه، قديماً، علماءُ الأنتروبولوجيا السياسيّة من أنّ الكيانات تنقسمُ الى ما قبل الدولة، بمعنى أنّ التجمّعات البشريّة تعيشُ دراما القبليّة، والعشائريّة، والهمجيّة... والى ما بعد الدولة، حيث المجتمع الرّاقي، المنظَّم، يحترمُ القانون، ومنظومةَ القِيَم، وسيادة الحقّ.

واستنادا، نطرح الإشكاليّةَ المُلزِمة: أين موقعُ لبنان، والخارطةُ غيرُ خارطتِه، وأُسُسُ حضورِهِ مُزَلزَلة؟

للتّذكير: لقد وصفَ المُبدِعون لبنان بأنّه طَبَقٌ مُلِئَ مِسكا، أهلُه نُدماء خَواص، وخالقُهُ فاضَ عليه من مواهبِ بِرِّهِ، وأقسامِ نعمتِه، وأنزلَه آيةً تَبعثُ الدّهشةَ أمامَ روعةِ التّكوين، لكنّ سلوكَ البعضِ، اليوم، وقعَ فيه نهباً، واستباحةً، ونقلَه من السّيادةِ الى الظّلمة، ورماه باثمٍ هجَّنَ مقامَه، وطالَه بمؤامرةٍ حوَّلَت عافيتَه أثلامَ دموع، وخُضرةَ فرحِهِ ذُبولا ويُبوساً، فشاهِدُ اليأسِ فيه يَنطق، والهمجيّةُ تُعلِنُ ترسيمةً فيها غَصَص... وبعد، هل كلُّ هذا أثرٌ بَشَرِيٌّ صِرف؟

الواضحُ الجَلِيُّ أنّ سببَه يعودُ الى محفوظاتٍ اثنيّةٍ عقيمة، أعادَها من جَوقاتِ الجاهليّةِ، وبحماسٍة بالغة، الذين ارتدَوا لِباسَ الحَفّار ليجعلوا من لبنان، وبشكلٍ مُمَنهَج، أطلالاً لن يقفَ عليها أحفاد امرئ القيس، نحن، نبكي ونستبكي.

لقد سكَّنَ هولاكووِيّو الزّمنِ الحالي الرّديء، نِحلَةَ القتلِ في جسدِ الوطن، وشلّعوه أيّما تشليع، وجمّدوا فيه وثبتَه الطليعيّةَ في المشرق العربي، ليرزحَ، بهم، تحت أعباءِ الرّمادِ والشّوك، والتي تغلغلَت في شرايينِهِ بدلاً من نَبضِ الحياة.

إنّ جِلدَ لبنان الذي جايلَ الزّمان، جُمِّدَ فيه الزّمان، وراح ينتظرُ، بإرهاقٍ، طفرةً واعدةً تُعيدُ إليه صفاءَه، ونقاءَه، وتُمَشهِدُ، فيه، للحياة، وهذا حقُّه. لكنّ جرعةَ الإنعاشِ التي ينبغي أن تقرعَ بابَ الوطن، لن يستقيمَ حالها إذا بَقِيَ البلدُ ملعباً لنزواتِ الطّارئين، هؤلاءِ الذين أوكلوا لنفسِهم جَعلَ البلادَ يُضنيها رِقُّهم، العسكري والسياسي، لتعانيَ، بهم، مُرَّ اليأسِ، والموتِ، والدّمار.

لم يزجَّ المَماليكُ الجُدُدُ بالوطنِ في جهنّم اعتباطياً، لأنّهم لم يجدوا أنفسَهم، معه، يوماً، صادِقي الولاء، والانتماء، وقد أُلصِقَت بهم هويَّتُهُ زُوراً، لكنّ ولاءَهم الذي أعلنوا عنه مراراً، ودون تمويه، محَضوهُ لبلادٍ غيرِ لبنان، ولسلطةٍ غيرِ سلطةِ دستورِه وقوانينِه، ولشرعيّةٍ غيرِ شرعيّةِ مؤسّساتِه، ونفّذوا، لذلك، مؤامرةً انتدابيّةً لم يتأخّر افتِضاحُ أهدافِها، خدمةً لمصالحِ ولِيٍّ خارجَ مساحةِ الوطن.

وما التستّرُ بكليشيهاتٍ مبتَذَلَة سوى بروازٍ للإطباقِ على الحُكمِ في لبنان، ولابتزازِ مقوّماتِه، والاستفراد بقرارِه... وتقديمِهِ ورقةً يرفعُها الوليُّ على طاولةِ المفاوضات، علَّها تدرُّ عليه ما عجزَ عن نَيلِهِ، دونِها.

أين لبنانُ من أهدافِ الذين أعدّوا له عذاباً أليماً، وما كانوا، فيه، إلّا أزمةً أرَّخَت، فيه، لعصرِ شقاءٍ ممهورٍ بخاتمِ شيطان؟ إنّ السّلطة ترفضُ، حتى السّاعة، تنظيفَ الدولةِ والبلاد من الذين وضعوا الحجرَ والبشرَ فوقَ بركانٍ مسنودٍ صاعقُهُ الى كَفٍّ آثِمةٍ توظّفُ امتلاكَها سلاحاً غير مشروع، لشَنٍّ حروبٍ عبثيّة، ولعرقلةِ مفاوضاتٍ مأمولة، ولتَسخيفِ مشاريع تعزّزُ الأمنَ في الوطن، ولمناصبة العداء لأصدقاء لبنان وإخوانِه.

هذا التّنظيفُ، إِنْ لم يتمّ، وعسى أن يتمّ، فإنّ تَشَلّعَ البلدِ هو نَجمُ المرحلة. في الجَنوب، كما في مناطقَ من لبنان، تحوّلَت الستراتيجيا الإسرائيليّة المناهضة لـ"حزب الله"، من أعمالٍ انتقاميّة، الى حربٍ ثابتة، وهذا منعطفٌ صارمٌ يمكنُ أن يدفع بالعدوّ الى التمدّدِ شمالًا، بدلاً من الانكفاء الى الوراء. وهذا يعني، وبوضوح، احتلال اسرائيل لجزء من مساحة لبنان، لا تتخلّى عنه، إلّا إذا انتفى، بالكامل، وجود سلاحٍ مع "حزب الله"، وقامَ النّظام اللبناني بفرضِ سلطته على البلاد، وبتوقيع معاهدة تَسالُمٍ مع اسرائيل، من خلال المفاوضات الجارية، أقلّه، حفاظاً على أمنِ المستوطناتِ على الحدود مع لبنان.

إنّ قرارَ التّنظيف انتهى، حتى الآن، في الجوارير، بينما تُنَفِّذُ السلطة الاسرائيليّة بُنودَ قرار القضاء على خطر "حزب الله"، وعلى حساب لبنان، من دون تَلَكُّؤ. وتُفَهرِسُ هذه السّلطةُ جدولَ أعمالِها، تِبعاً للمستجدّات السياسيّة والأمنيّة، في المنطقة، لا سيّما حربها مع النّظام الإيراني، وضرب امكانيّات "حزب الله" من تجديد ترسانته، خصوصاً في الخنادقِ التي حفرَها أخطبوطيًّا من الجنوب الى الشّمال، ومن السلسلة الشرقيّة الى العاصمة.

لقد قيلَ إنّ الصّدمةَ تكمنُ في الأهداف، وإنّ عدمَ تحقيقها يعطي مبرِّراً للقلق، ويُضاعفُ من مخاوفِ النّاس، وهم على صوابٍ في ما يشعرون. ومن حقِّهم أن يسألوا: كَم من الوقت يمكنُ الاستمرارُ في مواجهةِ موتٍ باتَ محتوماً؟

استاذ جامعي لبناني و كاتب

آخر الأخبار