دخل الضيف إلى غرفة الجلوس، فنهض الجميع لاستقباله. امتلأت الطاولة بما لذ وطاب، وتعالت الضحكات، وتدفقت الأحاديث حتى بدا البيت أكثر حياة، مما عرفه طوال اليوم.
وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى عاد كل شيء إلى طبيعته الأولى. جلس الأب أمام هاتفه، وانشغل الأبناء بشاشاتهم، وعادت الأم إلى ما كانت تؤجله. لم يقع خلاف، ولم يرتفع صوت، لكن الغرفة التي كانت قبل دقائق تمتلئ بالحياة، بدت فجأة وكأنها فقدت سبب وجودها. عندها خطر سؤال بسيط: هل صُممت غرفة الجلوس لاستقبال الضيوف، أم لتجمع أهل البيت؟
غرفة الجلوس ليست أهم مساحة في المنزل، لأنها الأكبر أو الأجمل، بل لأنها المكان الوحيد الذي يمنح العلاقات فرصة للظهور. ففيها تتكشف المسافات الحقيقية بين الناس، لا تلك التي تقاس بالأمتار، بل التي تقاس بالرغبة في الإصغاء، والقدرة على المشاركة، والاستعداد للبقاء معاً دون سبب عابر. ولهذا قد يبدو البيت عامراً بالأثاث، بينما تظل العلاقات فيه تبحث عن مكان تجلس فيه.
ولعل أكثر ما يربكنا أننا نهتم بما يراه الزائر أكثر مما نهتم بما يعيشه المقيم. نستبدل الأرائك، ونغير الستائر، ونبحث عن أحدث التصاميم، لكننا نؤجل الحوار، ونختصر الجلسات، ونعتاد أن يكون لكل فرد عالمه الخاص.
ومع مرور الأيام، لا يختفي أفراد الأسرة من البيت، بل يختفون من حياة بعضهم بعضاً، رغم أنهم يلتقون كل يوم تحت السقف نفسه.
ولهذا لا تبدأ هشاشة الأسرة من مشكلة كبيرة، بل من تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح أسلوب حياة. من حديث مؤجل، ومن وجبة تؤكل على عجل، ومن مساء ينتهي دون أن يعرف أحد كيف كان يوم الآخر. وما يبدو تفاصيل عابرة، هو في الحقيقة ما يصنع متانة العلاقات، أو يستهلكها ببطء، لأن الألفة لا تنمو في المناسبات، بل في الأيام العادية التي لا ينتبه إليها أحد.
وهنا تكشف غرفة الجلوس معناها الحقيقي. فهي ليست المكان الذي يجمع الأسرة، بل المقياس الذي يكشف إن كانت الأسرة ما تزال مجتمعاً واحداً، أم أفراداً يعيشون إلى جوار بعضهم فقط. فالبيوت لا تضعف عندما تقل اللقاءات، بل عندما تفقد تلك اللقاءات معناها، فيصبح الحضور جسدياً، بينما يغيب الإنسان بكل ما فيه.
لهذا، إذا أردت أن تعرف قوة أي بيت، فلا تنظر إلى مجلسه عندما يمتلئ بالضيوف، بل انظر إليه بعد انصرافهم. هناك، حيث لا يبقى إلا الأهل، تظهر الحقيقة التي لا يستطيع الأثاث إخفاءها.
كاتب كويتي