بالنسبة إلى عشاق الكتابة، لا يزال للقلم والورق سحر يصعب على الشاشات انتزاعه؛ ملمس الصفحة، واحتكاك رأس القلم بسطحها، والعفوية التي ترافق تدوين فكرة قبل أن تضيع. لكن دفاتر الملاحظات الرقمية باتت تقترب أكثر من هذه التجربة، مضيفة إليها ما لا يستطيع الدفتر التقليدي تقديمه: مئات الصفحات في جهاز واحد، مع إمكان تنظيم الملاحظات وتحويل الكتابة اليدوية إلى نصوص وحفظ الملفات ومشاركتها رقمياً.
وتعتمد هذه الأجهزة، المعروفة أيضاً بأجهزة الحبر الإلكتروني "E Ink"، فلسفة مختلفة عن الأجهزة اللوحية التقليدية، إذ تركز بصورة أساسية على الكتابة والقراءة مع الحد من التطبيقات والإشعارات التي تشتت الانتباه.
وبحسب دليل "وايركتر" التابع لصحيفة "نيويورك تايمز" لأفضل دفاتر الملاحظات الرقمية، والمحدث في يوليو 2026، برزت ثلاثة أجهزة تلبي احتياجات مختلفة: "ريماركابل بيبر بيور" reMarkable Paper Pure لمن يبحث عن تجربة كتابة خالية من التشتيت، و"سوبرنوت A5 X2 مانتا" Supernote A5 X2 Manta لمن يريد الجمع بين الكتابة وتنظيم الملاحظات والقراءة، و"أمازون كيندل سكرايب" Amazon Kindle Scribe الذي يضيف إلى تدوين الملاحظات ميزة الاندماج مع منظومة الكتب الإلكترونية.
"بيبر بيور"... التركيز قبل كل شيء
يركز "ريماركابل بيبر بيور" على تقديم تجربة أقرب ما يمكن إلى الدفتر التقليدي، من دون تحويل الجهاز إلى حاسوب لوحي مزدحم بالتطبيقات.
ووفق شركة "ريماركابل"، يأتي الجهاز بشاشة أحادية اللون قياسها 10.3 بوصة وسطح زجاجي غير لامع بملمس يحاكي الورق، ولا يعرض إشعارات أو تنبيهات أثناء العمل. كما يتيح تنظيم الملاحظات وتحويل الكتابة اليدوية إلى نصوص واستيراد الملفات وتصديرها، فيما يصل عمر البطارية، بحسب الشركة، إلى ثلاثة أسابيع وفق نمط الاستخدام المحدد.
ويأتي هذا التركيز على البساطة مع بعض التنازلات، أبرزها عدم وجود إضاءة أمامية للشاشة، ما يعني الاعتماد على الإضاءة المحيطة عند القراءة أو الكتابة في الأماكن المعتمة، فيما تتطلب بعض الخدمات المتقدمة في منظومة "ريماركابل" اشتراك "كونيكت" Connect.
"مانتا"... للكتابة وتنظيم المعرفة
أما "سوبرنوت A5 X2 مانتا" فيتجه أكثر إلى المستخدم الذي لا يريد مجرد صفحة رقمية للكتابة، بل نظاماً يساعده على تنظيم الملاحظات والوثائق والعودة إليها بسهولة.
وبحسب المواصفات الرسمية لشركة "سوبرنوت"، يحمل الجهاز شاشة حبر إلكتروني مرنة قياسها 10.7 بوصة بدقة 300 بكسل في البوصة، ويوفر 32 غيغابايت من التخزين مع إمكانية التوسعة عبر بطاقة "مايكرو إس دي". كما يتميز ببطارية قابلة للاستبدال ولوحة أم قابلة للترقية، في توجه يهدف إلى إطالة عمر الجهاز.
ويدعم "مانتا" ملفات "PDF" و"EPUB" و"Word" وعدداً من الصيغ الأخرى، إلى جانب تطبيق "كيندل"، كما يدعم التعرف إلى الكتابة اليدوية بأكثر من 60 لغة. ولا يحتوي هو الآخر على إضاءة أمامية، ما يعزز طابعه كدفتر إلكتروني مخصص للكتابة أكثر من كونه جهازاً ترفيهياً متعدد الاستخدامات.
"كيندل سكرايب"... الكتاب والدفتر معاً
ويختلف "كيندل سكرايب" عن منافسيه في نقطة أساسية؛ فهو ينطلق من عالم القراءة الإلكترونية أولاً، ثم يضيف إليه الكتابة وتدوين الملاحظات.
وتتيح ميزة "أكتيف كانفاس" Active Canvas الكتابة داخل الكتب المتوافقة، فيما شهد الجهاز تحديثاً مهماً مع أحدث جيل من "سكرايب"، الذي يأتي بشاشة خالية من الوهج قياسها 11 بوصة. وبحسب "أمازون"، أصبح الجهاز أسرع بنسبة 40 في المئة في الكتابة وتقليب الصفحات مقارنة بسابقه.
والتطور الأبرز هو دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تجربة الملاحظات، إذ تتيح الطرازات الأحدث البحث في الدفاتر وتوليد ملخصات للمحتوى، إلى جانب استيراد المستندات من "غوغل درايف" و"مايكروسوفت ون درايف"، فيما توفر "أمازون" أيضاً نسخة ملونة من السلسلة باسم "كيندل سكرايب كولورسوفت" Kindle Scribe Colorsoft.
أيها الأنسب؟
لا يوجد دفتر رقمي واحد يتفوق في جميع الاستخدامات. فمن يريد الكتابة بأقل قدر ممكن من التشتيت سيجد "ريماركابل بيبر بيور" أقرب إلى فلسفة الورقة والقلم، بينما يناسب "سوبرنوت مانتا" من يعطي الأولوية لتنظيم الملاحظات والوثائق وقابلية الجهاز للصيانة والتوسعة.
أما "كيندل سكرايب" فيبرز لمن تشكل القراءة جزءاً أساسياً من استخدامه، خصوصاً بعد إضافة أدوات الذكاء الاصطناعي والتكامل الأوسع مع الملفات والخدمات السحابية.
وتكشف هذه التطورات أن المنافسة في سوق الدفاتر الرقمية لم تعد تقتصر على سؤال "أيها يشبه الورق أكثر؟"، بل امتدت إلى كيفية تنظيم الأفكار والبحث فيها وربطها بالكتب والملفات والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، تظل المفارقة وراء جاذبية هذه الأجهزة بسيطة: كل هذا التطور التقني يسعى في النهاية إلى إعادة المستخدم إلى واحدة من أقدم العادات... أن يمسك قلماً ويكتب.