الأحد 16 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين يتحول التبرع إلى حياة... مركز جابر الأحمد للكلى نموذجاً
play icon
المحلية

حين يتحول التبرع إلى حياة... مركز جابر الأحمد للكلى نموذجاً

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 15 أغسطس 2026
مروة البحراوي
أيادي الخير تواصل العطاء... صدقة جارية تفتح أبواب الأمل للمرضى


لا ينتهي كل تبرع بانتهاء المناسبة، وليس كل عمل خيري يقتصر أثره على صاحبه أو المستفيد منه في لحظة محددة... فهناك أعمال تبقى شاهدة على أصحابها، وتواصل العطاء حتى بعد رحيلهم، ومن بينها المنشآت الصحية التي تتحول فيها أموال الخير إلى علاج، والأجهزة إلى أمل، والمباني إلى حياة جديدة للمرضى. ومن هنا تبرز قصة مركز الشيخ جابر الأحمد الصباح لغسيل الكلى في منطقة الأحمدي الصحية، الذي افتتح الأسبوع الماضي بتبرع كريم من ورثة الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح الأمير الراحل، طيب الله ثراه، ليكون إضافة جديدة إلى منظومة علاج مرضى الكلى في الكويت، وليحمل في الوقت نفسه رسالة إنسانية تتجاوز جدران المبنى وأجهزته الطبية.

فالمركز الذي تبلغ طاقته الاستيعابية عند تشغيله بالكامل نحو 500 مريض من مرضى الغسيل الدموي ونحو 100 مريض من مرضى الغسيل البريتوني، لا يمثل فقط توسعة في القدرة العلاجية لمنطقة الأحمدي، وإنما يجسد صورة من صور استمرار الخير الذي عرف به المجتمع الكويتي، حين يقرر أصحاب المال أن يتركوا خلفهم أثرا ينتفع به الناس.

ويأتي افتتاح المركز الجديد امتدادا لعطاء أسرة الشيخ جابر الأحمد في المجال الصحي، إذ سبق أن قدم ورثة الأمير الراحل مركزا لغسيل الكلى في مستشفى الجهراء، في عهد وزير الصحة الأسبق محمد براك الهيفي عام 2013، وأقيم بتمويل من الثلث الخيري للأمير الراحل.

حين يتحول التبرع إلى حياة... مركز جابر الأحمد للكلى نموذجاً
play icon
وزيرالصحة مع أسرة الراحل الشيخ جابر الأحمد طيب الله ثراه

من الجهراء إلى الأحمدي... الخير يتجدد

في أبريل 2013 افتتح مركز جابر الأحمد لغسيل الكلى في مستشفى الجهراء، وكان المشروع وقتها من أكبر مراكز غسيل الكلى التابعة لوزارة الصحة، وأكد ممثل ورثة الأمير الراحل آنذاك أن المركز أقيم بتمويل من الثلث الخيري للشيخ جابر الأحمد، بهدف تقديم جزء من الخدمات الصحية التي يحتاجها المجتمع ومساعدة المحتاجين إلى هذا النوع من العلاج.

وكان المشروع في ذلك الوقت يحمل مواصفات متقدمة بالنسبة لخدمات غسيل الكلى، إذ ضم أجنحة للرجال والنساء والأطفال، وغرف عزل، وغرفا للعمليات الصغرى والعلاج، وقاعة للمحاضرات ومكتبة طبية، إلى جانب وحدات للغسيل الدموي والبريتوني، وبلغت تكلفة المشروع، وفقا لما أعلنته وزارة الصحة نحو 3.025 مليون دينار.

ولم يكن اختيار غسيل الكلى مجالا للتبرع أمرا عابرا، فالمريض الذي يصل إلى مرحلة الغسيل يحتاج إلى علاج متكرر ومستمر، ما يجعل إنشاء مركز متخصص أكثر من مجرد إنشاء مبنى طبي، لأنه يوفر خدمة مرتبطة بحياة المريض بشكل مباشر ومتواصل.

وبعد أكثر من 13 عاما، يتجدد اسم الشيخ جابر الأحمد في مشروع صحي جديد في الأحمدي، لكن بحجم أكبر وقدرة استيعابية أوسع، بما يعكس في الوقت نفسه تطور الاحتياجات الصحية في الكويت والتوسع العمراني والسكاني الذي شهدته مناطق الدولة.

600 مريض وموعد متكرر مع الأمل

يضم مركز الشيخ جابر الأحمد الجديد في شرق الأحمدي 83 وحدة لغسيل الكلى، من بينها 11 غرفة عزل، إضافة إلى أربع غرف للغسيل البريتوني، ومختبر للكيمياء الحيوية وغرف لسحب الدم، وغرف للإجراءات العلاجية والطوارئ وفحص وتجهيز المرضى، فضلا عن الصيدلية المركزية وعيادات التغذية والخدمة الاجتماعية والمرافق الإدارية والخدمات المساندة. ويقع المركز على أرض تبلغ مساحتها 2650 مترا مربعا، فيما تصل مساحة البناء الإجمالية إلى 10250 مترا مربعا، ويتكون من سرداب ودور أرضي وثلاثة أدوار علوية، صممت لتتكامل فيها الخدمات العلاجية والتشخيصية والتمريضية والإدارية.

وتبرز أهمية المركز أكثر عند النظر إلى حجم الاحتياج في منطقة الأحمدي الصحية، حيث يبلغ عدد المستفيدين حاليا من خدمات غسيل الكلى نحو 519 مريضا، بينهم 449 مريضا للغسيل الدموي، ومع اكتمال تشغيل المركز، سترتفع قدرته إلى نحو 500 مريض للغسيل الدموي و100 للغسيل البريتوني، ما يعني قدرة إجمالية تصل إلى نحو 600 مريض.

المريض الذي يدخل مركز الغسيل لا يزور منشأة صحية مرة واحدة ثم ينصرف، وإنما يرتبط بجلسات علاج متكررة، ويصبح المركز جزءا من حياته اليومية والأسبوعية، ولذلك فإن كل جهاز غسيل، وكل سرير، وكل غرفة علاج، يمكن أن تعني للمريض ساعات أقل في الانتظار، ومسافة أقصر للوصول إلى العلاج، وراحة أكبر له ولأسرته، ولهذا ركز وزير الصحة د. أحمد العوضي خلال افتتاح المركز على مفهوم "سهولة الوصول إلى الخدمة الصحية"، مؤكدا أن جودة الرعاية لا ترتبط بتوافر العلاج فقط، وإنما أيضا بقدرة المريض على الحصول عليه في الوقت والمكان المناسبين، بما يخفف أعباء التنقل والانتظار.

خمس محطات لغسيل الكلى

لم يأت المركز الجديد منفصلا عن خطة وزارة الصحة لتطوير خدمات الكلى في المنطقة، بل جاء تتويجا لمسار من التوسع التدريجي، بدأت بمركز محمد الخزام لغسيل الكلى في مستشفى العدان، الذي افتتح عام 2009، ويخدم حاليا نحو 460 مريضا للغسيل الكلوي، ثم واصلت الوزارة تقريب الخدمة من المناطق السكنية الجديدة، فافتتحت في مايو 2024 وحدة غسيل الكلى في مركز علي صباح السالم، بطاقة 10 أسرة، وتخدم حاليا 17 مريضا للغسيل الدموي.

وفي يوليو 2024 افتتحت وحدة غسيل الكلى في مركز صباح الأحمد - قطاع E، بطاقة 20 سريرا، وتخدم حاليا 32 مريضا للغسيل الدموي، كما شهد فبراير 2026 افتتاح وحدة غسيل الكلى في مستشفى الأمومة والطفولة الجديد، مجهزة بـ12 سريرا، وتخدم حاليا 10 مريضات للغسيل الدموي.

وجاء مركز جابر الأحمد ليشكل الموقع الخامس لخدمات غسيل الكلى في منطقة الأحمدي الصحية، وليمنح المنطقة طاقة علاجية أكبر وقدرة على استيعاب احتياجاتها الحالية والمستقبلية.

الصدقة الجارية... عطاء لا ينضب

لا يمثل مركز جابر الأحمد مساهمة مالية محدودة في علاج عدد من المرضى، وإنما يسهم في إنشاء وتجهيز منشأة صحية ستستمر في تقديم خدماتها لسنوات، وهنا تتضح فكرة "الصدقة الجارية" بصورة عملية، فالمبنى سيبقى، والأجهزة ستعمل، والمرضى سيواصلون تلقي العلاج، والكوادر الطبية والتمريضية ستستخدم المنشأة في رعاية المرضى جيلا بعد جي.

قال ممثل المتبرع الشيخ فهد الجابر خلال افتتاح المركز، إن خدمة المريض ليست مجرد عمل، وإنما رحمة وإنسانية وأجر، مؤكدا أن من أجمل أبواب الخير أن يسهم الإنسان في تخفيف ألم إنسان وزرع الأمل في قلبه، وتلك الكلمات تختصر جوهر المشروع" فالخير هنا لا يقاس فقط بقيمة المبنى أو عدد الأجهزة، وإنما بعدد المرضى الذين ستخف معاناتهم، والأسر التي ستجد خدمة علاجية أقرب، والكوادر التي ستجد بيئة متخصصة تستطيع من خلالها تقديم الرعاية بصورة أفضل".

حين يتحول التبرع إلى حياة... مركز جابر الأحمد للكلى نموذجاً
play icon
من تجهيزات المركز


الكويت... مجتمع جُبل على العطاء 

قصة مركز جابر الأحمد ليست حالة منفردة في الكويت، بل تأتي ضمن تاريخ طويل من مساهمة أهل الخير في بناء وتطوير الخدمات الصحية، فقد وثقت وسائل الإعلام المختلفة على مدى سنوات نماذج عديدة لمواطنين وأسر ومؤسسات قدموا تبرعات لإنشاء مراكز صحية ومستشفيات ومرافق تخصصية.

ومن أبرز هذه النماذج مركز حمد عبدالله الصقر الصحي التخصصي في العديلية، الذي افتتح عام 2000 بتبرع من عبدالعزيز حمد الصقر وأخيه جاسم حمد الصقر، وبلغت تكاليف إنشائه نحو مليوني دينار، وضم المركز مجموعة واسعة من الخدمات، بينها الطب العام والأطفال والسكر والطوارئ والأشعة والمختبرات والأسنان والصحة الوقائية والأنف والأذن والحنجرة والجراحة والعظام والصحة المدرسية وعيادة الأورام.

وفي عام 2003 شهدت الكويت وضع حجر الأساس لمركز المرحومة الشيخة فتوح السلمان الصباح في الشامية، بتبرع من الشيخ صباح الأحمد وأبنائه، ليكون مركزا صحيا متطورا يقدم خدمات طب الأسرة والأسنان والسكري وكبار السن والأمومة والطفولة وغيرها.

وفي العام نفسه ظهرت مشاريع أخرى بتبرعات أهل الخير، من بينها مركز المرحوم خالد صالح الغنيم في القادسية، ومركز الشيخة منيرة عثمان السعيد في كيفان، ومركز حمد الحميضي وشيخة السديراوي في الشويخ، إلى جانب مراكز أخرى في مناطق مختلفة.

مشاريع تخصصية مؤثرة 

لم تتوقف مساهمات المتبرعين في البلاد عند إنشاء المراكز الصحية التقليدية، بل امتدت إلى مشاريع تخصصية أسهمت في تطوير مستوى الرعاية الطبية، ومن أبرزها مركز غنيمة الغانم للأطفال الخدج والأمراض الوراثية، الذي أقيم بتبرع من فؤاد الغانم عن والدته، وبلغت تكلفة إنشائه وتجهيزه عند وضع حجر أساسه عام 2004 نحو أربعة ملايين دينار. وضم المركز وفق المخطط المعلن عند وضع حجر أساسه 160 حاضنة و30 سريراً للعناية المركزة و20 للعناية المتوسطة، إلى جانب أجنحة للأطفال وغرفة عمليات صغيرة وأخرى لعمليات العيون ومختبرات، فيما تضمن قسم الوراثة أكثر من 20 عيادة متخصصة وأربعة مختبرات، واعتبرته الوزارة آنذاك أحد رموز النهضة الصحية في الكويت.وعند افتتاح المركز 2010، أعلنت الصحة أنه يضم 152 حاضنة للأطفال الخدج مجهزة بأحدث الأجهزة ، مؤكدة أنه يمثل إضافة جديدة إلى منظومة رعاية الطفولة في الكويت.

وهكذا، لم تعد مساهمات أهل الخير تقتصر على بناء المنشآت التي تقدم الخدمات الصحية ، بل امتدت إلى إنشاء مرافق طبية تخصصية تتعامل مع حالات دقيقة وتتطلب تجهيزات متقدمة وكفاءات طبية وفنية متخصصة.

من "فاعل الخير" إلى شريك في التنمية الصحية 

رغم أن مسؤولية توفير الرعاية الصحية تقع أساسا على الدولة، إلا أن تجارب الكويت تقدم نموذجا مختلفا للشراكة المجتمعية، حيث يلتقي التمويل الأهلي مع التخطيط الحكومي والتشغيل الطبي.

فالمتبرع يستطيع أن يوفر المبنى والتجهيز، لكن استدامة الخدمة تحتاج إلى وزارة صحية تخطط وتدير، وأطباء يعالجون، وممرضين يرعون المرضى، وفنيين يشغلون الأجهزة، وإداريين ينظمون العمل، وبرامج تدريب وصيانة وتطوير مستمر ،وهذا ما يجعل التبرع الصحي مختلفا عن كثير من صور العمل الخيري الأخرى، لأنه يدخل في بنية الخدمة العامة نفسها، ويظل أثره قائما طالما استمر تشغيل المنشأة.

وقد عبرت وزارة الصحة في مناسبات سابقة عن هذا المعنى بوضوح، معتبرة تبرعات المواطنين لإنشاء المراكز الصحية والمستشفيات شكلا من أشكال المشاركة في تقديم الخدمات الصحية، ومؤكدة أهمية مساهمة الأفراد والمؤسسات في تطوير الخدمات .

آخر الأخبار