الأحد 16 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
... وماذا جنى السنة العرب بعد نصف قرن؟
play icon
كل الآراء

... وماذا جنى السنة العرب بعد نصف قرن؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 16 أغسطس 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

بعد نشر مقالتي الأسبوع الماضي بعنوان "بعد نصف قرن… ماذا جنى الشيعة العرب"؟ تلقيت عدداً من الرسائل والتعليقات، كان من بينها سؤال تكرر أكثر من مرة: ... وماذا جنى السنة العرب، أوَلَم يعانِ السنة العرب أيضاً خلال الفترة ذاتها؟

وقد وجدت أن هذا السؤال لا يقل أهمية عن الأول، بل يقودنا إلى مراجعة أوسع تتجاوز الانتماءات المذهبية، لقراءة حصيلة ما يقرب من نصف قرن من الصراعات والتحولات التي عاشتها منطقتنا، منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

لا نهدف، في هذه الوقفة، إلى المقارنة بين خسائر السنة وخسائر الشيعة، أو تحديد أي الطرفين دفع ثمناً أكبر؛ فالخسائر شملت الجميع، وإن تفاوتت صورها، وأسبابها، ومراحلها. كما لا نهدف إلى الدفاع عن طرف أو إدانة آخر، إنما إلى مراجعة تجربة تاريخية طويلة، بمنظار المصلحة العربية والإسلامية المشتركة، وإعادة الدولة الوطنية إلى رأس سلم الانتماءات والأولويات، وعدم تحويل الدين، أو المذهب، إلى مشروع سياسي يتجاوز الحدود والسيادة الوطنية.

فالخاسر خلال العقود الخمسة الماضية لم يكن الشيعة العرب وحدهم الذين ربط بعضهم انتماءهم المذهبي بمشروع ولاية الفقيه، إنما خسر السنة العرب أيضاً، وخسرت معهم المنطقة العربية بأكملها.

فالخسارة تصيب كل من يسمح بتحويل هويته الدينية، أو المذهبية، إلى وقود لصراعات إقليمية، أو يجعل ولاءه لتنظيم، أو مرجعية سياسية خارج وطنه، سواء حمل ذلك المشروع راية ولاية الفقيه، أو شعار "الخلافة"، أو مشروع "جماعة الإخوان المسلمين"، أو غيرها من التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.

وجماعة الإخوان المسلمين، وإن تأسست قبل الثورة الإيرانية بعقود، فإن مشروعها السياسي، العابر للحدود، توسع خلال الفترة نفسها، وتداخل مع الأزمات العربية وتقلباتها.

كما أسهمت ممارسات جماعات متطرفة خرج بعضها من بيئات أيديولوجية مغلقة في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، لا سيما في المجتمعات الغربية، حتى أصبح المسلم، في تلك المجتمعات، مطالباً أحياناً بتبرئة نفسه من جرائم لم يرتكبها، وأفكار لا يؤمن بها.

أما الجواب المباشر عن السؤال، فهو أن السنة العرب دفعوا ثمناً باهظاً، كما دفعه الشيعة العرب. دفعوه في أرواح الملايين من ضحايا الحروب والصراعات، وفي موجات نزوح ولجوء الملايين في سورية، والعراق، واليمن وليبيا، وفي الخراب الذي أصاب المدن والاقتصادات ومؤسسات الدولة، وفي تنامي التطرف والإرهاب الذي ألحق بالمجتمعات السنية نفسها أضراراً جسيمة قبل أن تمتد آثاره إلى العالم.

ودفعوا الثمن أيضاً في استنزاف الموارد في الحروب، على حساب التعليم والصحة والتنمية، وفي تراجع مفهوم المواطنة أمام العصبيات الطائفية، والحزبية والقبلية.

أما في غزة السنية، فقد تجاوزت المأساة كل انتماء مذهبي؛ فما تعرض له الشعب الفلسطيني من قتل، وإبادة ودمار، مأساة وطنية وإنسانية، تكشف كيف يمكن للعدوان والاحتلال، إلى جانب الشعارات المتطرفة، والرهانات الخاطئة، أن يترك المدنيون يدفعون الثمن الأفدح.

وإذا كان الشيعة العرب لم يربحوا، والسنة العرب لم يربحوا، فمن الذي ربح؟

الحقيقة أن الأوطان العربية كانت الخاسر الأكبر. وربما حققت هذه الدولة أو تلك، أو هذا التنظيم أو ذاك، مكاسب مرحلية ونفوذاً موقتاً، إلا أن أحداً لم يحقق انتصاراً مستداماً. وكان الرابح الأكثر ثباتاً هو منطق الانقسام، والصراع، الذي استنزف المجتمعات، وأضعف الدولة الوطنية، وفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وحوّل التنوع الديني والمذهبي من مصدر ثراء حضاري إلى أداة للتعبئة والتحريض.

وبعد نحو نصف قرن، آن الأوان لأن يراجع المنقادون وراء الأجندات المتطرفة، من مختلف الأطياف، مواقفهم، وأن يعيدوا الاعتبار للوطن، بوصفه الإطار الجامع، وللمواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وللدستور، والقانون ضمانة للمساواة.

فالسؤال الذي يجب أن يجمعنا اليوم ليس: ماذا جنى السنة أو الشيعة، بل: كيف نستعيد أوطاناً تتسع للجميع، ويغدو فيها التنوع الديني والمذهبي مصدر قوة، تحميه الدولة وتصونه المواطنة؟.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار