الأحد 16 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
يجب أن يكون القرار العراقي مستقلاً
play icon
كل الآراء

يجب أن يكون القرار العراقي مستقلاً

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 16 أغسطس 2026
د.عائد الهلالي

في السياسة، لا تُقرأ الأحداث بعناوينها، بل بما يسبقها، وما يتبعها. والتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه كثيراً ما يعيد أدواته وأبطاله وذرائعه، حتى تبدو المأساة وكأنها نسخة جديدة من مشهد قديم.

في عام 1990 غزى العراق الكويت، وهي سابقة في العلاقات العربية - العربية وقد غيّرت وجه المنطقة لعقود طويلة. ولا يزال الجدل قائماً بين الباحثين حول طبيعة المواقف الأميركية آنذاك؛ لكن النتيجة كانت واحدة: وجد العالم نفسه أمام حرب كبرى، ثم حصار اقتصادي خانق استمر أكثر من ثلاثة عشر عاماً، أنهك الدولة العراقية وأرهق شعبها، قبل أن يتحول ملف العراق إلى قضية أمن دولي.

وبعد سنوات الحصار، جاءت حرب عام 2003 تحت عناوين متعددة، كان أبرزها امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة الإرهاب، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وبعد سقوط بغداد، بينما بقي العراق يدفع أثماناً باهظة من أمنه، واستقراره، واقتصاده ووحدته الاجتماعية.

كانت واشنطن تعتقد أنها بصدد صناعة نموذج سياسي جديد في العراق، يكون حليفاً ستراتيجياً، ويشكل نقطة ارتكاز لمشروعها في المنطقة، إلا أن التجربة لم تسر كما أرادت. فقد نشأت منظومة سياسية واجهت انتقادات واسعة بسبب الفساد، وسوء الإدارة، وتحول المال العام في نظر كثيرين إلى ساحة صراع بين شبكات النفوذ والمصالح، فيما تراجعت مؤسسات الدولة، أمام نفوذ القوى المتنافسة، وتضاءلت قدرة النظام على تحقيق تطلعات العراقيين.

اليوم، وبعد سنوات من التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، تبدو الولايات المتحدة أمام واقع أكثر تعقيداً. فقد تعرض مشروعها الإقليمي لاختبارات صعبة، وتبدلت موازين القوى، وتراجعت قدرة حلفائها على فرض معادلات مستقرة في أكثر من ساحة.

والعراق، الذي كان يُراد له أن يكون قصة نجاح سياسية، أصبح في نظر كثيرين نموذجاً لأزمة الدولة أكثر من كونه نموذجاً لبنائها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يمكن أن يتكرر المشهد، هل يمكن أن يُدفع العراق مرة أخرى إلى مواجهة إقليمية، لتنشأ أزمة كبرى تفتح الباب أمام تدخلات جديدة، وربما تُستخدم ذريعة لإعادة رسم المشهد السياسي العراقي من جديد؟

لا أحد يملك جواباً قاطعاً، لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب لا تبدأ دائما بقرار معلن، بل كثيراً ما تُولد من سوء التقدير، والتصعيد الإعلامي، والاستفزازات المتبادلة، وتضارب الحسابات. وعندما تشتعل النيران، يصبح البحث عن المبررات أسهل من البحث عن حلول.إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه العراق اليوم هو أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات، الإقليمية والدولية، أو أن يُستدرج إلى صراع لا يخدم مصالح شعبه، ولا مستقبل دولته. فالدول التي لا تتعلم من تاريخها قد تجد نفسها تعيش المأساة نفسها بأسماء جديدة، وشعارات مختلفة.

لقد دفع العراقيون أثماناً هائلة من الدماء والخراب والحصار والاحتلال والانقسام، ولذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يكون القرار العراقي مستقلاً، وأن تُغلق الأبواب أمام كل مشروع يسعى إلى تحويل العراق وقوداً لمعارك الآخرين.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع القوى الكبرى إعادة إنتاج السيناريو، بل: هل يمتلك العراقيون من الوعي والوحدة والإرادة ما يمنع تكراره؟

فالتاريخ لا يرحم من لا يقرأ دروسه، والأوطان التي تنسى فصول مأساتها قد تجد نفسها تكتبها من جديد.

كاتب عراقي