الثابت أن العمل الجماعي، أو ما يسمى فريق العمل، هو من يحقق النتائج الباهرة، وفي هذا الشأن ثمة رجل استطاع أن يعمل على تشكيل قوة احترافية في كرة القدم، كان لها الكثير من العلامات المميزة في عالم الرياضة، انه جوزيه مورينيو.
هذه التجربة الفذة، رغم الاستفزاز والثقة المفرطة، لكن خلف هذه الصورة توجد عقلية أكثر تعقيداً بكثير.
مورينيو لم يكن أعظم لاعب في جيله، ولم يصل إلى القمة عبر موهبة كروية استثنائية. قوته الحقيقية كانت في فهم الإنسان داخل اللاعب: الخوف، الكبرياء، الحاجة إلى التقدير، والرغبة في الانتماء.
هنا يمكن فهم أحد أسرار مسيرته: لم يكن يدرب أقدام لاعبيه فقط، كان يدرب عقولهم، فهو يؤمن بالقاعدة التي تقول اصنع عدواً مشتركاً، لذا كان يبني على اساس: نحن ضدهم. وقد تبدو هذه العقلية سلبية، لكنها داخل المجموعة يمكن أن تصبح قوة هائلة.
فعندما يشعر اللاعب أن فريقه محاصر، يزداد تماسكه مع زملائه، وتتحول المباراة من مجرد منافسة رياضية إلى دفاع عن المجموعة.
القاعدة الثانية، اجعل اللاعب يشعر أنك تؤمن به أكثر مما يؤمن بنفسه، وعلى هذا استطاع مورينيو أن يجعل بعض لاعبيه يشعرون بأنهم أقوى، وأهم وأفضل مما كانوا يتصورون عن أنفسهم، ولهذا نجد لاعبين يتحدثون عن مورينيو بعد سنوات طويلة بولاء عاطفي نادر تجاه مدرب سابق.
القاعدة الثالثة: الضغط ليس مشكلة، انه الوقود يستخدمه من اجل الفوز، فهو كان يؤمن أن الخطر لا يجب الهروب منه، يمكن تحويله إلى حالة ذهنية تجعل اللاعب أكثر تركيزاً وعدوانية وثقة.
إن البناء على تلك الاسس هو من حول هذا الرجل كي يكون ايقونة القرن، لانه فهم مبكراً أن اللاعب يحتاج إلى اثنين: الخطة التي تحرك جسده، والقصة التي تحرك قلبه.
لهذا بعد كل مباراة كانت الصحافة تتحدث عن مورينيو بدل الحديث عن خطأ المدافع، أو مستوى المهاجم، فيصبح هو الصاعقة التي تستقبل الضربة.
وهنا تظهر فلسفة قيادة مهمة: القائد يحمي فريقه بأن يقف أمامه، لا خلفه، ويتجاهل الإهانة، بل يخزنها ويحوّلها إلى طاقة تنافسية.
من الصعب فهم مورينيو من دون فهم مفهوم الولاء لديه، فعندما يشعر أن اللاعب معه، يمكن أن يمنحه حماية وثقة هائلتين، لكن عندما يشعر أن الثقة انكسرت، تتغير العلاقة جذرياً، لذا بعض اللاعبين يعشقونه، وبعضهم يصطدم به بشدة، والسبب أن علاقته باللاعب ليست باردة ومحايدة، إنها علاقة ذات شحنة عاطفية مرتفعة، وهذا يخلق روابط استثنائية، لكنه يجعل الانفصال مؤلماً أيضاً.
إن الثقة بالنفس يمكن بناؤها، لهذا عندما وصل مورينيو إلى إنكلترا عام 2004، قال عبارته الشهيرة عن نفسه: "The Special One"، وهو لم يكن يقدم نفسه فقط للصحافة، بل كان يرسم هوية، وهي: أنا هنا للفوز، أنا أنتمي إلى هذه القمة. وتوقّعوا مني ذلك.
هكذا تصنع المميزين، الذين يؤمنون أن مهمتهم ليس الشخص، بل فريق العمل.