الاثنين 17 أغسطس 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
'هرمز' من شريان حياة للاقتصاد العالمي... إلى طوق نجاة لنظام ينهار!
play icon
الدولية

"هرمز" من شريان حياة للاقتصاد العالمي... إلى طوق نجاة لنظام ينهار!

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 17 أغسطس 2026
السياسة" - خاص"
الممر الستراتيجي صار ثمن نهاية الحرب بين أميركا وإيران لا سببها... والنقاش بشأنه لم يعد بشأن مبدأ التفاوض
دول الخليج معنية مباشرة بنتائج المعادلة... فاستمرار التوتر في مضيق هرمز يعني تهديداً دائماً للطاقة والتجارة والموانئ والاستثمار
لا يمكن قراءة ترتيبات "هرمز" بمعزل عن تحولات المنطقة الأوسع بما في ذلك اتفاق مكة الدفاعي وبناء ردع إقليمي يحرم الملالي الابتزاز
نظام الملالي لا يتفاوض على حرية "هرمز" وإنما على إنقاذ نفسه من حرب لا يستطيع تحمل استمرارها وسلام يكشف ضعفه أمام شعبه
النظام لا يخشى واشنطن بل الداخل الإيراني ويعرف أن أي تفاهم لا يحل أزمة الخبز ولا يوقف الإعدامات ولا ينهي الفساد
من يراقب صراع الأجنحة في طهران يدرك أن السؤال لم يعد: هل سيُفتح مضيق هرمز؟... بل: بأي ثمن وبأي رواية ولحساب أي جناح؟
المضيق صار مرآة لأزمة نظام يريد أن يبيع التهدئة كانتصار ويحوّل الخوف من الحرب لورقة للبقاء وإنهاء المواجهة دون أن يبدو ذلك هزيمة

خاص - "السياسة"

في الأزمة الراهنة، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري حيوي تمر عبره الطاقة إلى الأسواق العالمية، وإنما تحوّل المضيق في حسابات نظام الملالي الحاكم في إيران إلى ورقة سياسية كبرى، وإلى ساحة داخلية لصراع الأجنحة، بشأن سؤال أكثر حساسية مفاده كيف يمكن إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة من دون أن يبدو ذلك هزيمة أو تراجعاً؟.

وفيما يبدو النقاش في الظاهر وكأنه يدور حول ترتيبات فنية مع سلطنة عُمان ومسارات جديدة لعبور السفن وضمان أمن الملاحة، فإن القضية في العمق، لم تعد فنية ولا بحرية فقط، بل صار المضيق جزءاً من معادلة سياسية وأمنية أوسع، تتعلق بشروط طهران لإنهاء المواجهة ورفع الحصار وتخفيف العقوبات، والحصول على مكاسب تسمح للنظام بتسويق أي تفاهم بوصفه انتصاراً لا اضطراراً، وهو ما تكشفه الصحف الإيرانية ووسائل الإعلام التابعة للنظام التي تقر بأن النقاش لم يعد حول مبدأ التفاوض، بل حول ثمن التفاوض، فجزء مهم من مركز القرار في طهران يدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة مكلف اقتصادياً واجتماعياً، وأن الحرب الطويلة يمكن أن تتحول إلى خطر داخلي على النظام نفسه، لذلك يسعى هذا الجناح لتحويل ما يسميه «مكاسب الميدان» في هرمز إلى ثمن سياسي على طاولة المحادثات، لكن جناحاً آخر داخل النظام يخشى أن يؤدي أي فتح للمضيق أو أي تهدئة بحرية لفقدان آخر أوراق الضغط، وهذا التيار يرى أن "هرمز" هو الورقة التي أجبرت واشنطن والعواصم الغربية والخليجية على أخذ شروط طهران بجدية، وبالتالي فإن التخلي عنها قبل الحصول على ثمن كبير سيُقرأ داخلياً وخارجياً كعلامة ضعف.

من هنا يمكن فهم التناقض الظاهر في خطاب النظام، فمن جهة، يقول مسؤولوه إن المحادثات مع عُمان وصلت لمراحل متقدمة حول مسارات الملاحة، ومن جهة أخرى، يؤكدون أن أي تفاهم فني مع مسقط لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق أو العودة للوضع السابق، وهذه الصيغة تكشف بدقة طريقة تفكير طهران، حيث يمكن التفاهم على الخريطة، لكن القرار السياسي بفتح الطريق يبقى مشروطاً بما ستقدمه واشنطن، واللافت أن المجلس الأعلى للأمن القومي، أو ما يُشار إليه داخل النظام اختصاراً بـ"شعام"، وضع شروطاً عالية السقف لإعادة فتح المضيق. هذه الشروط لا تتعلق بالملاحة فقط، بل تشمل وقف التهديدات وإنهاء ما يسميه النظام العدوان على إيران وحلفائها في المنطقة، ورفع الحصار البحري، وخروج القوات الأميركية من محيط إيران، ودفع تعويضات عن الحرب، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وهذا يعني أن هرمز لم يعد مجرد ملف عبور بحري، بل أصبح سلة تفاوضية كاملة.

هذا التصعيد في الشروط لا يعني بالضرورة أن النظام يتوقع قبولها كلها، ففي السياسة التفاوضية، يمكن رفع السقف لتخفيضه لاحقاً مقابل مكاسب محددة، لكن الرسالة الداخلية لا تقل أهمية عن الرسالة الخارجية، حيث يريد النظام أن يقول لجمهوره ولقواعده المتشددة إن أي تفاهم مقبل لن يكون تراجعاً، بل انتزاعاً لثمن من الولايات المتحدة، وهنا يبرز جوهر الصراع الداخلي، حيث يريد جناح إدارة الأزمة إنهاء المواجهة، أو على الأقل تخفيفها، من دون خسارة رواية "الصمود"، بينما يريد جناح التصعيد إبقاء "هرمز" مفتوحاً على التوتر، كورقة ابتزاز مستمرة، وبين الاثنين، يحاول المرشد مجتبى خامنئي ومركز القرار الجديد إدارة توازن صعب، لا فتح مجاني للمضيق، ولا استمرار مفتوح في الحرب البحرية بما يفجّر الاقتصاد والشارع. ولعل تعيين محسن رضايي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي يدخل في هذا السياق، فوجود قائد سابق للحرس الثوري في هذا الموقع، قريب من مجتبى خامنئي، يعني أن ملف هرمز لم يعد متروكاً للديبلوماسية وحدها ولا للميدان وحده، فالنظام يريد شخصية تستطيع أن تخاطب المؤسسة العسكرية، والحكومة، وبيت خامنئي، وأن تدير التفاوض من موقع أمني لا ديبلوماسي فقط.

لذلك، فإن معركة "هرمز" هي أيضاً معركة على رواية النصر والهزيمة داخل النظام، والصحف القريبة من الحرس الثةري أو التيار المتشدد تريد تقديم المضيق كسيف مسلول في يد النظام، أي كسلاح لا يجوز التفريط به، بينما صحف أخرى تتحدث عن ضرورة تحويل هذا السلاح إلى مكسب سياسي، وبين الروايتين، يظهر سؤال واحد: هل يصبح هرمز طريقاً للخروج من الحرب، أم مدخلاً لجولة جديدة منها؟

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تبدو المعادلة معقدة أيضاً، فواشنطن تحتاج لإعادة تدفق الطاقة واستقرار الملاحة، لكنها لا تريد الظهور بمظهر من رضخ لشروط طهران، ولذلك تحاول أن تفصل بين الترتيبات الفنية للملاحة وبين الاعتراف السياسي بما يزعم نظام الملالي أنه "حقه" في فرض قواعد جديدة على المضيق، غير أن حاجة واشنطن إلى خفض التوتر وضبط أسعار الطاقة تجعل "هرمز" ورقة ضغط حقيقية في يد طهران، ولو إلى حين.

أما دول الخليج، فهي معنية مباشرة بنتائج هذه المعادلة، فاستمرار التوتر في هرمز يعني تهديداً دائماً للطاقة والتجارة والموانئ والاستثمار والاستقرار الإقليمي، لذلك لا يمكن قراءة ترتيبات "هرمز" بمعزل عن التحولات الأوسع في المنطقة، بما في ذلك اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، ومحاولات بناء ردع إقليمي جديد يقلّل من قدرة النظام الإيراني على استخدام الجغرافيا والميليشيات كورقة ابتزاز. لكن النقطة الأهم هي أن النظام لا يستخدم "هرمز" فقط ضد الخارج، بل يستخدمه أيضاً في إدارة أزمته الداخلية، فحين يواجه أزمة معيشية خانقة وتضخماً وغضباً اجتماعياً وخوفاً من تحوّل الاحتجاجات إلى فعل منظم، يحتاج إلى خطاب "المعركة" لتأجيل السؤال الداخلي، لكنه، في الوقت نفسه، يعرف أن إطالة المواجهة ستزيد الضغط على المجتمع وقد تفتح الباب أمام انفجار أوسع.

من هنا، تبدو المعادلة الأكثر واقعية هي رفض خيارين يمنحان النظام فرصة للبقاء، حرب خارجية تمنحه ذريعة للقمع والتعبئة، ومساومة مجانية تسمح له بالتقاط الأنفاس وإعادة إنتاج نفوذه، فيما الطريق الثالث هو الجمع بين الضغط السياسي والاقتصادي المنسق، ودعم حق الشعب الإيراني في التغيير، من دون السماح للنظام بتحويل "هرمز" أو الميليشيات أو الطاقة إلى أدوات ابتزاز دائم، لأن ما يخشاه النظام في النهاية ليس فقط الأسطول الأميركي أو الضغوط الدولية، بل الداخل الإيراني، فهو يعرف أن أي تفاهم لا يحل أزمة الخبز، ولا يوقف الإعدامات، ولا ينهي الفساد، ولا يعيد الثقة بين المجتمع والسلطة، كما يعرف أن أي استمرار للحرب سيزيد من عجزه الاقتصادي ويكشف حدود شعاراته. لذلك، فإن مضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر بحري، إنه مرآة لأزمة نظام يريد أن يبيع التهدئة كأنها انتصار، وأن يحوّل الخوف من الحرب إلى ورقة بقاء، وأن يجعل أمن المنطقة رهينة لصراعاته الداخلية، والخلاصة أن هرمز صار ثمن نهاية الحرب لا سببها فقط، ومن يراقب صراع الأجنحة في طهران يدرك أن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيفتح النظام المضيق؟، بل: بأي ثمن، وبأي رواية، ولحساب أي جناح داخل السلطة؟ وبكلمة واحدة، النظام الحاكم في إيران لا يتفاوض على هرمز وحده؛ إنما يتفاوض على طريقة إنقاذ نفسه من حرب لا يستطيع تحمل استمرارها، ومن سلام يخاف أن يكشف ضعفه أمام شعبه.

آخر الأخبار