يُفترض أن يكون مكتب حماية الطفل التابع لوزارة الصحة أحد أهم الأذرع المؤسسية المعنية بصون مصلحة الطفل الفضلى، وحمايته من العنف والإهمال، والمساهمة في الحفاظ على تماسك الأسرة، وليس تفكيكها، غير أن الواقع العملي والتجارب المتكررة لعدد كبير من الآباء تثير تساؤلات جدية حول منهجية عمل هذا المكتب، وحدود اختصاصه، ومدى التزامه بالحياد المهني.
فمن أخطر الملاحظات السلبية إصدار موظفات المكتب تقارير مصيرية بإجراء تحقيق غير مهني، ومن غير مختص بقضايا الأحوال الشخصية، ودون الاستماع الجاد لجميع أطراف النزاع، مع تجاهل متكرر لرواية الأب أو تقليلها، فهذا النهج يتعارض مع أبسط قواعد العدالة الإجرائية، لا سيما أن هذه التقارير يكون لها أثر مباشر في مسار القضايا المتعلقة برؤية الأبناء، وحضانتهم. فقد لوحظ توجه موظفات مكتب حماية الطفل إلى أخذ أقوال المحضون، وكأنها أقوال مؤكدة ونهائية، رغم أنه صغير غير مميز، وغالبا ما يكون تحت تأثير الأم الحاضنة، التي تتحكم فيه طيلة أيام الأسبوع، بل لسنوات تشكل خلالها شخصيته، وتحريضه ضد أبيه، سواء بالترغيب أو التهديد.
بيد أن تلك التقارير تعتمد كثيراً من الأحيان على عبارات نمطية جاهزة ومتكررة، مثل الإشارة إلى "تأثر نفسي للمحضون"، أو "وجود مشاعر سلبية تجاه الأب"، دون بيان أساس علمي واضح يؤدي لهذه النتائج الخطيرة التي تمس كيان الاسرة، وتستخدم كذريعة لإبعاد الطفل عن أحد والديه، بما يعمق التفكك الأسري.
ومن هذا المنطلق يثار تساؤل مهم حول كفاءة معدّي هذه التقارير، وتأهيلهم العلمي، إذ يتطلب تحديد مصير الطفل خبرات تراكمية دقيقة، وليس مجرد اجتهادات شخصية، أو قوالب مترجمة عن واقع أجنبي لا يمت لواقعنا العربي الإسلامي بصلة.
كما تتجاوز هذه التقارير دورها، الفني والمهني، بالخوض بمسائل قانونية خالصة، كتحديد المتسبب في الأزمات، وهي أمور تخرج عن اختصاص المكتب، وتستلزم دراسة قانونية متخصصة.
كما أن موظفات المكتب يتدخلن مباشرة في أحكام الرؤية، ومحاولة عرقلتها، أو تقليص مضمونها بطرق مختلفة، فضلا عن مساهمتهن بشكل مباشر في تشجيع الحاضنات على تقديم شكاوى كيدية ضد الأب نظراً لعلم الحاضنة المسبق أن التقارير معظمها تصدر لصالحها بما يوقف الرؤية، أو تقليص عدد ساعاتها، أو اقتصارها داخل مراكز الرؤية فقط، لتنجح بذلك خطة وكأنها ممنهجة! (شكوى كيدية - تقرير مجحف - ثم إيقاف الرؤية، أو تقليصها، أو الاقتصار على الجلوس مع المحضون داخل المركز)، وهي للأسف اهداف منشودة للحاضنة يساعدها فيها مكتب حماية الطفل.
والأخطر أن هذه التقارير تُستخدم أحيانا كذريعة لوقف تنفيذ أحكام قضائية واجبة النفاذ، وهو تدخل غير جائز قانونا، بل يشكل مساساً بمبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء.
كما يتوسع المكتب في تقاريره بتوصيات غير مطلوبة، تهدف لإبعاد الطفل عن أبيه، بالاستناد إلى أقواله التي تميل تجاه الأم نظراً لوجوده معها طوال الوقت، فتخرج التقارير عن مهنيتها بنبرة تحامل عدائية تصور الأب دائما، كطرف مدان، ومصدر للخطر، وهو ما ينافي العقل والمنطق، إذ لا يعقل أن أباً يخوض معارك قضائية طويلة لرؤية أبنائه، يكون في الوقت ذاته مسيئاً إليهم.
الأخطر من ذلك الاعتماد على استبيانات أجنبية مترجمة لا تراعي خصوصية المجتمع، ولا طبيعة نزاعاته الأسرية، إذ تركز بشكل انتقائي على إبراز سمات سلبية مفترضة، في الأب لحرمانه من رؤية أبنائه. وتتضمن هذه الاستبيانات أسئلة مستغربة لا تمت بأهلية الأب، أو حماية الطفل بصلة، كإقحام قضايا التظاهرات والأمن رغم ما تنعم به البلاد من استقرار، مما يثير التساؤل عن مغزى هذه الأسئلة، ومدى علم الجهات الرسمية بها؟ كما تحتوي على أسئلة عبثية وغير لائقة عن أنماط الترفيه، والحفلات، والرقص، والمساج، مما يقطع ببعدها عن أي معيار علمي، ويقوض الثقة في جدية العمل ومخرجاته.
كما ان هناك علامات استفهام عديدة حول مدى توافر الحياد المؤسسي في ظل الظهور الإعلامي المتكرر لمسؤولي المكتب ومشاركتهم في برامج، ولقاءات مع بعض من المحاميات المتخصصات في قضايا الأحوال الشخصية، اذ لا بد من توافر الاستقلالية للمكتب بصفته الجهة التي تُعد تقارير مؤثرة في مصير الأسر، ويجب أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.
لذا فالأمر يقتضي وقفة جادة لمراجعة عمل المكتب؛ منهجيةً واستبيانات، وحدود اختصاص، مع ضرورة نشر إحصاءات شفافة عن مخرجاته، ومدى أثرها في الاستقرار أو التفكك الأسري، فحماية الطفل لا تتحقق بإقصاء أحد الوالدين بتقارير تفتقر إلى المهنية والحياد، بل بعدالة متوازنة تحفظ حقه في والديه؛ مما يجعل تحويل تبعية المكتب الى النيابة العامة، أو وزارة الداخلية، أمراً أجدى لضمان الانضباط والحيادية التامة.