الثلاثاء 18 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الفهم قبل التغيير
play icon
كل الآراء

الفهم قبل التغيير

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 18 أغسطس 2026
د.رندا دياب بهمن
لغة القيادة

لطالما كانت القيادة من أهم مؤشرات الأداء المؤسسي، فهي التي تحدد قدرة المؤسسات على بناء الثقة، والاحتفاظ بالكفاءات، وتشجيع الابتكار، وتحقيق نتائج مستدامة.

وفي وقت تتجه فيه المؤسسات إلى مزيد من المرونة، والتحول الرقمي والاستدامة، لم تعد القيادة الناجحة تقاس بسرعة إحداث التغيير، بل بقدرة المدير على فهم المؤسسة وأفرادها وبيئتها، قبل اتخاذ القرارات. وهذا مهم خصوصا في الكويت، حيث تتطلب رؤية الكويت الجديدة بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وتنافسية وقدرة على الاستجابة للمتغيرات.

ومن هنا، تظهر ثلاث علامات تحذيرية مبكرة، قد تكشف عن ضعف الخبرة في إدارة الأعمال والبشر، أولها أن يأتي المدير الجديد بحلول جاهزة، قبل أن يفهم المشكلة الحقيقية.

فلكل مؤسسة تاريخها، وثقافتها، وعلاقاتها مع أصحاب المصلحة، وأنظمتها الرسمية، وغير الرسمية، وهي أمور لا يمكن فهمها من خلال التقارير وحدها، خصوصاً بالنسبة إلى المسؤولين الجدد، أو القادمين من خارج المؤسسة، أو الدولة. وعندما لا يستمع المسؤول إلى الموظفين، ولا يراقب العمليات، ولا يستفيد من المعرفة المؤسسية الموجودة، فقد ينتهي به الأمر إلى معالجة أعراض لمشكلات غير موجودة، أو تجاهل الأسباب الحقيقية للمشكلة.

لهذا، فالقيادة الفعالة تبدأ بالاستماع والتشخيص، لأن فهم البيئة الجديدة ليس تأخيراً للتغيير، بل هو الشرط الأول لنجاحه.

أما العلامة الثانية، فتتمثل في تحويل العلاقات المهنية السابقة، إلى أداة لإعادة تشكيل المؤسسة. فمن الطبيعي أن يعتمد المسؤول على أشخاص يثقون بهم، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح التعيينات الجديدة امتداداً لشبكة العلاقات، الشخصية أو المهنية، بدلاً من أن تكون استجابة لاحتياجات المؤسسة الفعلية.

وقد يكون هذا أكثر خطورة عندما يأتي الموظفون الجدد بخبرة محدودة في البلد، أو القطاع الذي يعملون فيه، بينما يتم تجاهل الكفاءات الموجودة داخل المؤسسة.

فالموظف المحلي، أو الموجود منذ سنوات، يمتلك معرفة متراكمة بالأنظمة، وأصحاب المصلحة، والثقافة المؤسسية، وطبيعة السوق، وهي معرفة لا يمكن اكتسابها بسرعة من خلال السيرة الذاتية وحدها. وهذا لا يعني رفض الخبرات الدولية، بل يعني تحقيق التوازن بينها وبين الخبرة المحلية.

أما العلامة الثالثة، وربما الأكثر وضوحاً، فهي الإعلان عن مناصب قيادية جديدة قبل تقييم قدرات الموظفين الحاليين. فهذا النهج لا يخلق حالة من عدم اليقين فقط، بل يرسل رسالة ضمنية بأن الكفاءات الموجودة ليست جزءاً من الحل.

ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة والانتماء، وقد يدفع أصحاب الخبرة إلى مغادرة المؤسسة، فتخسر معها رأس مالها المعرفي المتراكم.

والمؤسسات، عالية الأداء، تنظر إلى موظفيها باعتبارهم رأس مال فكرياً، لذلك يبدأ المسؤول الفعّال بتقييم نقاط القوة، وتحديد فرص التطوير، وفهم الفجوات الحقيقية في القدرات قبل اللجوء إلى التوظيف الخارجي. فالتغيير المستدام لا يبدأ باستبدال الأشخاص، بل بفهم ما يملكونه من معرفة، وما يمكن تطويره.

في النهاية، لا تتوقف آثار قرارات المسؤولين عند حدود المؤسسة، بل تمتد إلى الإنتاجية، ورفاهية الموظفين والابتكار والثقة العامة، وقدرة المؤسسات على الاستمرار والتكيف.

ومع تقدم الكويت نحو أهدافها الطموحة في التنمية، وتنويع الاقتصاد، وبناء مؤسسات ذات مستوى عالمي، ستصبح جودة القيادة عاملاً أكثر حسماً في تحويل هذه الطموحات إلى نتائج مستدامة.

فالإدارة الفعالة ليست في كثرة القرارات، أو سرعة التغيير، أو حتى عدد التعيينات الجديدة، إنما في القدرة على قراءة الواقع قبل تغييره، والاستفادة من المعرفة الموجودة قبل استبدالها، وبناء الثقة قبل المطالبة بالولاء. وفي بيئة تتغير بسرعة، قد يكون أكثر القادة تأثيراً ليس من يدخل المؤسسة حاملاً أكبر عدد من الحلول، بل من يعرف أولاً كيف يطرح الأسئلة الصحيحة.

باحثة في العلوم الاجتماعية

آخر الأخبار