الثلاثاء 18 أغسطس 2026
41°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
حين تختار الروح مساحتها
play icon
كل الآراء

حين تختار الروح مساحتها

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 18 أغسطس 2026
فاطمة ناصر المزيعل
مرايـا الروح

ليس كل ابتعادٍ انطفاء، ولا كل فتورٍ جفاء، ولا كل صمتٍ إعلاناً عن خصومة. أحياناً تنسحب النفس قليلاً، لا لأنها كرهت الناس، بل لأنها تعبت من كثرة الحضور، ومن محاولات التفسير، ومن العلاقات التي تستنزفها أكثر مما تمنحها.

هناك مراحل في حياة الإنسان لا يغضب فيها من أحد، ولا يعيش خلافاً يستدعي القطيعة، ولا يستطيع حتى أن يحدد سبباً واضحاً لرغبته في الابتعاد؛ لكنه يشعر، على نحو هادئ ومتدرج، أن حضوره الاجتماعي أصبح أثقل، وأن الحديث الكثير لم يعد يغريه، وأن اللقاءات المتكررة باتت تستنزف شيئاً من طاقته، فيميل إلى الصمت، ويختصر دوائر علاقاته، ويبحث عن مساحة أهدأ تشبهه.

ذلك ما يمكن أن نسمّيه الفتور الاجتماعي؛ وهو ليس بالضرورة نفوراً من الناس، بل قد يكون في كثير من الأحيان حاجة داخلية، إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والأشخاص من حوله.

فالإنسان لا يستطيع أن يبقى في حالة بذلٍ دائم. حتى أكثر الناس اجتماعيةً ودفئاً يحتاجون أحياناً إلى أن يغلقوا أبوابهم قليلاً، لا ليقصوا الآخرين، بل ليستعيدوا أنفسهم.

وقد عبّر القرآن الكريم عن قيمة العزلة الهادئة حين قال تعالى: "وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا" (المزمل: 8)؛ فالتبتّل هنا يذكّرنا بأهمية أن تكون للروح مساحة، تنقطع فيها عن ازدحام الخارج، لتستعيد صلتها بالداخل. ولعل أكثر ما يرهق الإنسان في مجتمعنا اليوم، ليس كثرة الناس بقدر ما هو كثرة التوقعات؛ أن تكون حاضراً دائماً، متاحاً دائماً، مبتسماً دائماً، متفاعلاً مع الجميع، ومطالباً بتفسير كل غياب وصمت. حتى أصبح بعض الناس يشعر بالذنب، حين يحتاج إلى نفسه.

لكن النضج يجعلنا نفهم أن العلاقات الصحية لا تُقاس بعدد اللقاءات، ولا بسرعة الردود، ولا بكثرة الحضور، إنما بصدق المودة حين نحضر، وبقاء الاحترام حين نغيب.

إن تقليص الدائرة الاجتماعية لا يعني بالضرورة أن القلب أصبح أضيق؛ ربما يعني العكس تماماً: أن الإنسان أصبح أكثر وعياً بقيمة وقته، وطاقته، وأكثر قدرة على التمييز بين علاقة تمنحه السكينة، وأخرى تجعله في حالة استنزاف مستمر.

وفي مراحل معينة من العمر، لا نعود نبحث عن كثرة المعارف، بل عن قلةٍ نطمئن إليها. لا نريد مجالس كثيرة بقدر ما نريد مجلساً لا نضطر فيه إلى ارتداء الأقنعة. ولا نبحث عن أصدقاء يملأون الوقت، بل عن أشخاص يجعلون الصمت معهم مريحاً كما يكون الكلام.

ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين الفتور الاجتماعي الطبيعي، وبين الانسحاب الذي يصاحبه ضيق شديد، أو فقدان متعة الحياة، أو انقطاع كامل عن الآخرين؛ فهنا قد لا يكون الأمر مجرد حاجة إلى الهدوء، إنما إشارة تستحق الانتباه والوعي والتفهّم.

أما حين يكون الابتعاد اختياراً موقتاً، يخفّف عن النفس ثقلها، ويعيد إليها صفاءها، ثم تعود بعدها إلى الحياة أكثر اتزاناً؛ فهو ليس تراجعاً، ولا نفوراً من الآخرين.

إن بعض مراحل الحياة لا تحتاج منا إلى مزيد من التزاحم ،وكثرة الأحاديث، بل إلى قليل من السكون. لا تحتاج إلى توسيع الدائرة، بل إلى تنقيتها. ولا تحتاج إلى شرح كل شيء للآخرين، بل إلى أن نصغي بصدق لما تقوله أرواحنا.

لذلك، حين تجد نفسك في مرحلة تفضّل فيها الصمت على الأحاديث العابرة، واللقاءات القليلة على المجاملات الكثيرة، والبيت الهادئ على الأماكن المكتظة، فلا تُسارع إلى اتهام نفسك بالقسوة أو الغرابة.

ربما أنت فقط تتعلم كيف تحمي سلامك الداخلي. فليس كل من ابتعد قد تغيّر، وليس كل من قلّ حضوره قد جفّ قلبه؛ بعضنا يبتعد قليلاً كي يعود إلى نفسه، وبعضنا يصمت لأن في داخله حديثا أكبر من أن يُقال، وبعضنا يختار دائرة أصغر لأنه أدرك أخيراً أن راحة الروح ليست في كثرة من حولنا، بل في جودة من نسمح لهم بالاقتراب.

فالفتور الاجتماعي، حين يكون واعياً ومتزناً، ليس نهايةً للعلاقات، بل قد يكون بدايةً لعلاقة أصدق مع الذات.

كاتبة كويتية

آخر الأخبار