بينما تتيح تكنولوجيا المعلومات، ومن ضمنها الذكاء الاصطناعي، فرصاً كبيرة للإبداع والعمل، والابتكار، وتحقيق الخير الاجتماعي، فإنها باتت تثير أيضاً مخاوف مشروعة بشأن الكثير من القضايا، وعلى رأسها تغييّر طريقة العيش، والعمل، والتفكير والتفاعل، وانتهاكها للخصوصية وتأثيرها على صنع القرار، فبرز معها تساؤلات عميقة حول القيم والأخلاق الإنسانية.
الذكاء الاصطناعي له أبعاد اجتماعية، وأخلاقية، وفلسفية عميقة، وله تأثير كبير على الخصوصية من خلال كشفه للبيانات الخاصة بالأشخاص، أو المؤسسات، فهو يحد من الاستقلالية، ويعيد تشكيل وصياغة القيم والعادات، والمعتقدات، ويسهم في تغييرها، وتراجع دور الانسان الفاعل، بما يحمله من أحاسيس وعواطف، ويستعيض عنها بالتفكير المنطقي والعقلاني، لأنه يفضل الكفاءة على التعاطف واتقان العمل على الرحمة.
كما أنه يؤثر على العلاقات الشخصية، والتفاعلات المباشرة، وقد يتلاعب بالمعتقدات، إذا لم يتم استخدامه بمسؤولية وحرفية، وهنا يبرز دور القيم والأخلاق، ومراعاة الأصول والتقاليد الإنسانية التي تصبح فريسة سهلة للتراجع، والانحسار والتهميش.
القيم والأخلاق تمثل جزء أساسياً من الثقافة الاجتماعية، فكل حضارة مرتبطة ومبنية على منظومة قيم، نابعة من تاريخ المجتمع ومستواه، الثقافي والحضاري، وغالباً ما تلزم هذه القيم أبناء المجتمع، وتجبرهم على اختيار سلوكياتهم وتصرفاتهم.
لقد أثرت تكنولوجيا المعلومات، وهي التي تُسجّل المعلومات وتُوصلها، وتُركّبها، وتُنظّمها؛ وما أفرزته من الحواسيب الشخصية، والهواتف الذكية، والإنترنت، وتطبيقات الـ"ويب" والهواتف النقالة، والحوسبة السحابية، وحديثاً الذكاء الاصطناعي، وتتزايد هذه القائمة باستمرار، أثرت في كل جانب من جوانب الحياة اليومية.
يمكن تعريف المعلومات بأنها أي بيانات مفيدة، أو تعليمات، أو محتوى رسائل ذي معنى وفائدة للمجتمع. وهكذا أصبح التوازن بين ما تقدمه تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي من جهة، وما تقتضيه القيم الإنسانية والأخلاقية من جهة أخرى، هو التحدي الأبرز في عصرنا الراهن. وهذا يتطلب ضرورة التكريز على احترام هذه القيم والأخلاق بما تتضمنه من العدالة، والأمانة، ومراعاة الخصوصية، لضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى قوة تقوض المبادئ، والأخلاقيات المجتمعية.
لقد فتحت هذه التقنيات آفاقاً جديدة للتفاعل فيما بيننا. فكل فعل نقوم به يُخلّف أثراً من المعلومات التي يُمكن تسجيلها، وتخزينها لاستخدامها لاحقاً. ومع ازدياد أتمتة عملية جمع البيانات وانتشارها الدائم، لا بدّ لنا من التساؤل: من يُسيطر على هذه البيانات، وماذا يُفعل بها، ومن يضمن دقتها، أيّ المعلومات يجب أن تُنشر للعامة، وأيّها يجب أن تبقى خاصة، وأيّها يجب أن تُصبح ملكاً لأطراف ثالثة كالشركات؟ فإنتاج المعلومات، والوصول إليها، والتحكم بها، جوهر التحديات الأخلاقية.
لقد أجبرتنا تكنولوجيا المعلومات على إعادة النظر في مفهوم الخصوصية البسيط، وتحويله إلى نظريات أكثر تعقيداً تُقرّ بفوائد، ومخاطر تبادل المعلومات بمختلف أنواعها. وتتمثل القيم الأخلاقية الأساسية التي تُعنى بها هذه التكنولوجيا في الخصوصية، والملكية، والثقة، ومصداقية المعلومات المُتبادلة.
أصبحت الشبكات الاجتماعية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، إذ يتجمع عدد هائل من الناس على مواقع مثل التواصل، ويتفاعلون مع أصدقاء، حقيقيين وافتراضيين.
يوفر الإنترنت تجربة تفاعلية غامرة مع الآخرين في عوالم افتراضية مبنية على المعلومات. وتظهر حالياً تقنيات جديدة تُمكّننا من دمج الواقع والافتراضي.
تعتبر الآثار الأخلاقية لتقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي على المستخدم الفردي قضية بالغة الأهمية. ويظل الهاجس، كيف تُشكّل هذه التقنيات المشهد الأخلاقي على المستوى الاجتماعي ودورها في تغيير القيم والأخلاق.
كاتب سوري