الأربعاء 19 أغسطس 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
المناخ في الإعلام!
play icon
كل الآراء

المناخ في الإعلام!

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 18 أغسطس 2026
د.سامي العدواني

حين باشرنا في" DALcs.org" التحضير لإطلاق ورشة إقليمية عن المناخ في الإعلام، بالشراكة مع الحاضنة الإنسانية " REVOLV" وبإشراف من الناشطة والباحثة مريم جاب الله، لم يدر في خلدي وقتها هذا التأثير البالغ الذي تركته النقاشات النقدية إلى هذا الحد، كل ما كنت أتشوف إليه أن نتشارك مع زملائنا الإعلاميين كيف نساعد، ونساهم في رفع منسوب وعيهم واهتمامهم، في مستجدات قضايا المناخ في تسارع حدة التدهور رغم كم الجهود المبذولة، والتي أقل ما يمكن أن توصف بأنها "غير كافية"!.

كنّا سابقاً سهل علينا أن نعرف أين توجد أخبار المناخ، التي عادة تكون في قسم البيئة، كانت القصة حينها تدور حول ارتفاع درجات الحرارة، وانبعاثات الكربون وعن ذوبان الجليد أو حرائق الغابات، وعن الفيضانات والجفاف.

أما اليوم، لم يعد سهلاً أن نضع المناخ في قسم محدد، فقد أصبح في الماء والغذاء وفي الصحة، والطاقة والمدن، والاقتصاد والتمويل، حتى في قدرة المجتمعات على الصمود أمام الأزمات. وهذا أحد أهم ما يمكن أن نلتقطه من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول التقدم المحرز في أهداف التنمية المستدامة الذي عُرض في يوليو 2026، وهو يحاول قراءة التحولات التي مرّت خلال عشر سنوات من المضي في خطة "تحويل عالمنا" التي انطلقت في الأول من يناير 2016، ولم يبق على أوانها إلا أقل من خمس سنوات حتى العام 2030.

اللافت في التقرير أنه لا يتعامل مع تغير المناخ باعتباره قضية "بيئية" منفصلة عن سياقها، إنما يضعها داخل شبكة أهداف التنمية كلها، فالكوارث الطبيعية لا تؤثر في البيئة وحدها، إنما تمتد آثارها إلى إنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد، والأسعار، المياه والصحة، والنظم البيئية.

حاولت في مداخلتي التي شاركتها جمهور الفعالية أن أشير اعتقاد بات يتأكد في يقيني أن أمام الإعلام فرصة مهمة لإعادة صياغة القصة المناخية، فبدلاً من السؤال عن أخبار المناخ علينا طرح السؤال الأعمق، والأكثر ارتباطاً في حياتنا "أين يعيش تغير المناخ بيننا"؟

عندما تتجاوز الحرارة مستوى قياسياً، ما ينبغي أن تتوقف عنده القصة التي نرويها، وننقلها في قوالبنا الإعلامية عن الذي تأثر، وما الذي حدث للعامل الذي يعمل نهاراً في الخارج، وللمريض كيف تفاعل مع هذا التغير، وكذلك للطالب، وما الذي استجد لأحمال الطاقة واستهلاك الكهرباء، وهكذا بالنسبة للمياه، ولأسعار الغذاء؟

على الإعلامي والصحافي البيئي ألا يكتفي بتصوير المياه، وهي تغمر الشوارع، بل أن يتساءل عمّا هو أهم عن المنطقة والمدينة ودرجة استعدادها وتحضيرها لهكذا متغيرات، وما الذي فعلت من إجراءات، وأين كانت الفجوات، وما الذي ينبغي أن يتغير للمرات المقبلة؟

وهنا ربما نحتاج أيضاً إلى مراجعة خطابنا الإعلامي، لقد اعتمدنا طويلاً على صور الكوارث، والخوف والتحذير، وهي مهمة أجد أنها مفيدة لجذب الانتباه، لكنها غير كافية في تقديري لبناء الفهم، فالجمهور يحتاج معرفة أن الخطر كبير، لكنه يحتاج أيضاً إلى معرفة أن هناك جهوداً وحلولاً، وسياسات واستثمارات، وتجارب وخبرات، يمكن متابعتها ومساءلة أصحابها عن نتائجها.

لذلك أرى أن الإعلام المناخي في المرحلة المقبلة ينبغي أن ينتقل من التوعية إلى المساءلة، عندما تعلن حكومة خطة للتكيف مع تغير المناخ، نسأل عن المؤشرات والتمويل والنتائج،ونسأل عن البيانات وخط الأساس، وعندما تطلق محافظة أو بلدية مشروعاً أخضر، لا نكتفي بتغطية حفل الافتتاح، إنما نعود بعد عام لنسأل ما الذي تبدل وتغير من واقع العام الماضي؟

في عالمنا العربي، لا أعتقد أننا بحاجة إلى استيراد قصة مناخية جاهزة لدينا قصصنا الخاصة، على سبيل المثال في الخليج، قد تكون القصة قصة ماء وطاقة وحرارة، وصحة ومدن وسواحل، وفي بلد زراعي قد تكون مياه ومحاصيل وغذاء ودخل، وفي مدينة ساحلية قد تكون بحراً، ونقلاً، وبنية تحتية، وسكناً واقتصاداً.

وربما تكون هذه هي النقلة التي حاولت تمريرها في كلمتي ومداخلتي، نحتاج ألا نكتفي أن "نصدم" الناس بأخبار تغير المناخ، إنما علينا أن نساعدهم على فهم ماذا يعني ذلك لحياتهم، ولصنّاع القرار علينا أن نشرح لهم، ما الذي يمكن فعله للاحتراز وتجنب غوائل هذا التغير، وهل ستحدث فعلاً تحولات وتداعيات أكثر، فالمناخ في النهاية هو قصة عن تحولات الكوكب، وهو كذلك قصة عن الطريقة التي سنعيش بها على هذه الأرض.

خبير استدامة

آخر الأخبار