الخميس 20 أغسطس 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
اتفاقية مكة... قوة إقليمية جديدة
play icon
كل الآراء

اتفاقية مكة... قوة إقليمية جديدة

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 20 أغسطس 2026
د.رندا دياب بهمن
لغة القيادة

إن توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ليس مجرد اتفاق عسكري بين ثلاث دول، بل قد يكون بداية لتحول طال انتظاره في مفهوم الأمن الإقليمي.

فمنطقتنا العربية بحاجة منذ سنوات، إلى تحالف إقليمي حقيقي يقوم على قدرات دولها، وليس على الاعتماد المستمر على القوى الخارجية.

وإذا كان حلف شمال الأطلسي قد نجح في بناء منظومة أمن جماعي تقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الجميع، فإن اتفاق مكة يحمل مبدأً يمكن تطويره تدريجياً ليؤسس لمنظومة مماثلة في العالمين، العربي والإسلامي.

صحيح أن الاتفاق لا يزال في بدايته، وأنه لا يمتلك البنية، المؤسسية والعسكرية، المتكاملة التي يتمتع بها حلف شمال الأطلسي، لكن التحالفات الكبرى لا تُولد مكتملة، بل تبدأ بالثقة والمصالح المشتركة، ثم تتطور إلى مؤسسات، وقدرات متكاملة.

وما يجعل هذه الخطوة منطقية اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو أن المنطقة نفسها لم تعد كما كانت قبل عقود. فقد حققت دول الخليج والعالمان، العربي والإسلامي، قفزات اقتصادية واجتماعية هائلة، واستثمرت بصورة غير مسبوقة في البنية التحتية والتعليم، والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وتنويع الاقتصادات، وتمكين الشباب والمرأة.

وهذه التحولات ليست تدريجية فقط، بل تحمل في كثير من جوانبها، وتيرة متسارعة واستثنائية، مقارنة بالعديد من مناطق العالم. كذلك، نجح قادة المنطقة في نقل دولهم من موقع المتلقي للتغيير إلى موقع صانعه، وفرضوا حضورها على الساحة الدولية كقوى اقتصادية، وسياسية واستثمارية، لا يمكن تجاوزها.

لهذا من الطبيعي، وبعد هذا التحول الكبير، أن يتطور مفهوم الأمن الإقليمي ليعكس حجم هذه القوة الجديدة.

إن ما يجمع السعودية وتركيا وباكستان يوفر قاعدة ستراتيجية نادرة، فهناك الثقل الاقتصادي والمالي السعودي، والقدرات الصناعية والتكنولوجية، والعسكرية التركية، والخبرة العسكرية والقدرات الستراتيجية الباكستانية. وإذا ما تم توظيف هذه الإمكانات ضمن منظومة تعاون طويلة الأمد، يمكن أن تتجاوز أهدافها الدفاع التقليدي لتشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات، والأمن السيبراني، وحماية الممرات البحرية، والتدريب المشترك، والتصنيع الدفاعي، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي. والأهم أن هذه المنظومة يمكن أن تتوسع مستقبلاً لتشمل دولاً أخرى، وفق مصالحها وقدراتها.

مثل هذا التحالف لن يكون مُوجهاً ضد أحد، ولن يعني التخلي عن العلاقات الستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية، أو دول أوروبا أو غيرهما، بل سيعني ببساطة أن دول المنطقة أصبحت قادرة على إدارة أمنها من موقع الشريك القوي، لا من موقع الاعتماد.

كما أن التعاون الأمني يمكن أن يتحول إلى فرصة اقتصادية، فالتصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا، والاستثمار في البحث والتطوير، يمكن أن يخلق صناعات جديدة ووظائف نوعية، ويعزز اقتصاد المعرفة، لتصبح حماية المنطقة جزءاً من عملية التنمية نفسها.

لذلك، ربما علينا ألا نتساءل إن كان اتفاق مكة هو "حلف شمال الأطلسي" للعالمين، العربي والإسلامي، بل أن نسأل: هل يمكن أن يكون نقطة البداية لتحالف إقليمي طال انتظاره؟

الإجابة تستحق أن تكون نعم. فالمنطقة تمتلك اليوم ما لم تكن تمتلكه في السابق: موارد هائلة، واقتصادات متنامية، وقدرات عسكرية وتقنية متقدمة، وشباباً متعلماً، وقيادات أثبتت قدرتها على وضع دولها في قلب المشهد العالمي.

ما ينقص هو تحويل هذه القوة المتفرقة إلى قوة جماعية منظمة، وقد يكون اتفاق مكة الخطوة الأولى نحو ذلك. حيث ان تحالفا إقليميا قويا لا يعني الانعزال عن العالم، بل الدخول إليه بثقة أكبر، ولا يعني استبدال الشراكات الدولية، بل إعادة التوازن إليها.

لقد آن الأوان لأن تنتقل المنطقة من أمن يعتمد على الآخرين إلى أمن تشارك في صناعته، ومن تحالفات موقتة تفرضها الأزمات إلى منظومة إقليمية دائمة تبنيها المصالح المشتركة.

باحثة في العلوم الاجتماعية

آخر الأخبار