منذ فجر الحضارة، والإنسان يبحث عن ميزان يحمي الحق ويضع حداً للعدوان؛ ففي مصر القديمة جسَدت "ماعت" معاني الحق والعدل والنظام، وجاء مرسوم حورمحب لمواجهة الفساد والتجاوزعلى حقوق الناس.
ثم تطورت القاعدة القانونية من العرف إلى التدوين، فظهرت شريعة أور نمو، التي تُعد من أقدم مجموعات القوانين المكتوبة المعروفة، ثم شريعة حمورابي ملك بابل، بما أرسته من قواعد للمسؤولية والجزاء، ونُقشت أحكامها على مسلَة من حجر الديوريت بالخط المسماري، واشتملت على 282 مادة قانونية، غلب عليها مبدأ "العين بالعين والسن بالسن".
ثم جاءت الألواح الاثنا عشر في روما، قبل أن يتطور القانون الروماني، ويُسهم في بناء صرح الفقه القانوني، وصولاً إلى التشريعات الحديثة.
وعلى امتداد هذا التطور، لم تتغير حاجة المجتمع إلى القانون، إنما تطورت فلسفته؛ فبعد أن كانت العقوبة تستهدف الجاني عقب وقوع الفعل، أصبحت العدالة الحديثة تسعى إلى حماية المجتمع، ومنع الجريمة قبل وقوعها، وتحقيق الردع مع الإصلاح.
فالجريمة قد لا تتحقق إلا باكتمال أركانها، لكن بذرتها تنشأ حين يضعف الإحساس بالمساءلة، ويظن الجاني أن القانون قد لا يصل إليه. وهنا تتجلى قيمة الردع؛ فالقانون لا يستمد هيبته من قسوة العقوبة وحدها، بل من يقين تطبيقها وعدالة إنفاذها، وسرعة الوصول إلى مرتكب الجريمة ومساءلته وفقاً للقانون، وقد أدرك الفقيه الإيطالي تشيزاري بيكاريا أن يقين العقوبة، وعدالة تطبيقها، أشد أثراً في الردع من قسوتها؛ فالعقوبة التي يعلم الجاني أنها واقعة لا محالة أكثر تأثيراً من عقوبة بالغة الشدة يحيط تنفيذها بالشك والتأخير.
ولعل القرآن الكريم سبق الفكر الجنائي الحديث إلى التعبير عن جوهر الردع بأبلغ بيان، فقال تعالى:"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". فالقصاص هنا ليس مجرد إيلام، إنما حياة تُصان، وعدوان يُردع، ومجتمع تُحفظ سلامته؛ لأن العلم بالجزاء قد يحول بين الإنسان وبين الجريمة قبل وقوعها.
وفي الدولة الحديثة، لم تعد العقوبة غاية في ذاتها، قائمة على الانتقام من الجاني، أو مجرد إيلامه، بل وسيلة لحماية المجتمع وردع الجاني وغيره، وتحقيق العدالة، وإصلاح المحكوم عليه وتأهيله للعودة إلى المجتمع. لذلك لا يكفي المطالبة بتغليظ العقوبات عند كل جريمة تهز الرأي العام؛ فشدة العقوبة وحدها لا تصنع الردع.
فالردع منظومة متكاملة تبدأ بتشريع واضح، وأجهزة قادرة على كشف الجريمة، وتحقيق مهني، ومحاكمة عادلة وناجزة، وحكم نافذ، وتنفيذ فعَال؛ حتى يدرك من يفكر في الجريمة أن القانون ليس نصاً مكتوباً فقط، إنما عدالة حاضرة لا تتأخر عن الوصول إليه.
كما أن الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام والمؤسسات، الثقافية والدينية، شركاء في الوقاية؛ لأن القانون يعالج الجريمة بعد وقوعها، بينما التربية والوعي فيستطيعان منع كثير منها قبل أن تولد.
إن هيبة القانون لا تُقاس بالخوف الذي تُلقيه العقوبة في النفوس، بل بالطمأنينة التي تبعثها العدالة في المجتمع؛ فالقانون القوي ليس ما يُخيف الناس، إنما ما يحميهم، ويصون حقوقهم، ويجعل المعتدي على يقين أن تجاوزه لن يمر بغير مساءلة. قانون يطمئن معه الناس إلى أن حقوقهم لا تضيع، وأن العدالة لا تفرق بين قوي وضعيف، ولا تفتح أبوابها للنفوذ أو الوساطة.
فمتى استقرت المساواة أمام القانون، وتعززت الثقة في القضاء، وأصبحت أحكام العدالة نافذة وفاعلة، تحولت هيبة القانون من نصوص إلى واقع يلمس الناس أثره.
وهنا تلتقي العدالة بالردع؛ فالمجتمع الآمن ليس الذي تكثر فيه العقوبات، إنما الذي تقل فيه الحاجة إليها، لأن احترام القانون يصبح سلوكاً راسخاً، لا مجالاً للعبث، أو الإفلات من المسؤولية. فالغاية من العقاب ليست أن تزدحم السجون، إنما أن تقل الجرائم، وأن تُصان الأرواح والأموال والحريات، وبناء ثقة الناس في أن العدالة لا تتأخر، ولا تميز بينهم.
وتبقى مقولة "مَن أمِنَ العقوبة أساء الأدب"، خلاصة الفكرة وجوهر الردع، فليست قوة الدولة في قسوة العقاب، بل في عدالة القانون وفاعلية تطبيقه، ومتى استقرت العدالة، استقام السلوك، ومتى حضر القانون، انحسرت الفوضى، ومتى وثق الناس أن حقوقهم لا تضيع، أصبح احترام القانون ثقافة لا خوفاً، وأصبحت الجريمة استثناءً لا قاعدة، والعدالة عنواناً لا شعاراً.
مستشار قانوني