تُعد حرية التعبير من أهم القيم التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، فهي تتيح للأفراد حق إبداء آرائهم، والمشاركة في النقاش العام، وتسهم في تطوير الأفكار، وتعزيز الشفافية والمساءلة.
غير أن هذه الحرية، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، لأن الكلمة قادرة على البناء، كما هي قادرة على الهدم، وعلى التقريب بين الناس، كما قد تؤدي إلى نشر الانقسام والكراهية إذا أسيء استخدامها.
ومع التطور الهائل في وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد قادراً على نشر رأيه، والوصول إلى آلاف، بل ملايين المتابعين في لحظات. وقد منح هذا الواقع مساحة واسعة للتعبير، لكنه في المقابل فتح الباب أمام انتشار الأخبار غير الدقيقة، والشائعات، وخطابات التحريض، وهو ما يجعل التحقق من المعلومات، والتزام أخلاقيات النشر ضرورة، لا تقل أهمية عن الحق في التعبير ذاته.
إن حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين، أو المساس بكرامتهم أو التشهير بهم، كما لا تعني نشر معلومات غير موثقة قد تؤثر في أمن المجتمع، أو استقراره. فالقوانين في مختلف دول العالم تسعى إلى تحقيق توازن بين حماية حق الإنسان في التعبير عن رأيه، وبين حماية حقوق الآخرين والمحافظة على النظام العام. وهذا التوازن هو الذي يضمن بقاء الحرية عاملاً للإصلاح، لا سبباً للفوضى.
وفي الوقت نفسه، فإن المجتمعات التي تشجع الحوار الهادئ، وتحترم اختلاف الآراء، تكون أكثر قدرة على معالجة قضاياها بروح مسؤولة. فاختلاف وجهات النظر أمر طبيعي، بل إنه قد يكون مصدراً للإبداع والتطور، لكن الخلاف يجب أن يبقى في إطار الاحترام المتبادل والاحتكام إلى الحقائق، بعيداً عن لغة الإساءة، أو التخوين، أو التعصب.
كما تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية كبيرة في ترسيخ ثقافة المصداقية، من خلال التزام المعايير المهنية، وتقديم المعلومات الدقيقة، وإتاحة الفرصة لعرض الآراء المختلفة ضمن إطار يحترم القانون وأخلاقيات المهنة. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الخبر، بل يسهم في تعزيز الوعي، وتهدئة الأزمات، ودعم ثقافة الحوار.
إن حرية التعبير والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن أن تزدهر إحداهما على حساب الأخرى. فالكلمة الصادقة تبني الثقة، وتحفز الإصلاح، وتقرب بين أفراد المجتمع، أما الكلمة غير المسؤولة فقد تهدم ما بنته سنوات من العمل والتفاهم. ولهذا، فإن الاستخدام الواعي لحرية التعبير هو الطريق إلى مجتمع أكثر نضجاً، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات بروح من الاحترام والتعاون، لأن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا عندما تقترن بالمسؤولية.
كاتب ومحامٍ كويتي