بقي الانضباط في مواعيده والحزم في قراراته والوفاء في علاقاته والهيبة في حضوره
منيف نايف
بملامح مهيبة تحمل شيئاً من صرامة الميدان، وشيئاً أكبر من طيبة الرجال الذين علّمتهم الحياة أن القوة الحقيقية تحتاج إلى الصلابة وقت الشدائد، والإقدام عند المواجهة.
منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها الميدان العسكري، كانت على وجهه ابتسامة هادئة ومريحة، لكنها لم تكن تخفي ملامح القيادة. في عينيه يقظة العسكري الذي اعتاد رؤية التفاصيل، وفي صوته ثبات من أمضى سنوات طويلة وهو يعرف أن للكلمة وزنها، وللقرار مسؤوليته، وللواجب قدسيته.
جمع في شخصيته بين نقيضين جميلين: شدة حين تكون الشدة واجباً، ولين حين يكون اللين مروءة. يعرف متى يكون حازماً، ومتى يكون أباً وأخاً وصديقاً.
ولم تكن هيبته يوماً حاجزاً بينه وبين الناس، بل كانت هيبة ممزوجة بالاحترام والطمأنينة، تجعلك تشعر أمامه بأنك أمام رجل قوي، لكنك في الوقت ذاته أمام قلب يعرف الرحمة.
سنوات الخدمة بالنسبة إليه لم تكن مجرد عمر مضى بين الرتب والمواقع، بل مدرسة صاغت شخصيته ورسخت فيه الانضباط والدقة والالتزام. كان يرى أن العسكري الحقيقي يبدأ بانضباطه مع نفسه، قبل أن يطلب الانضباط من الآخرين.أما الوطن، فلم يكن في قاموسه شعاراً يقال في المناسبات، بل معنى عاشه كل يوم؛ وطنية هادئة لا تبحث عن التصفيق، وإخلاص لا ينتظر مقابلاً، ووفاء للمكان الذي حمل رايته وخدمه سنوات من عمره.
كان يؤمن بأن خدمة الوطن شرف، وأن حماية أمنه أمانة، وأن أجمل ما يتركه العسكري خلفه ليس عدد المناصب التي شغلها، بل سيرة نظيفة وذكر طيب وأثر يبقى في الرجال.
وحين انتهت سنوات خدمته في قطاعات وزارة الداخلية عام 2009، بقي الانضباط في مواعيده، والحزم في قراراته، والوفاء في علاقاته، والهيبة في حضوره.
فالرتبة قد تُحال إلى التقاعد، أما شخصية القائد فلا تعرف التقاعد.
هو رجل إذا دخل مجلساً لم يحتج إلى أن يعرّف بنفسه كثيراً؛ شيء في وقفته يخبرك أنه عاش حياة المسؤولية، وشيء في هدوئه يقول إنه عرف المواقف الصعبة، وشيء في ابتسامته يؤكد أن تلك السنوات، على قسوتها، لم تستطع أن تسلب منه إنسانيته.
قائد صنعته المواقف قبل أن تصنعه الرتب، وهذّبته المسؤولية قبل أن تمنحه المناصب مكانتها. يحمل في ملامحه حزم العسكري، وفي ابتسامته طيبة الأب، وفي قامته هيبة الرجال، وفي قلبه وطناً ظل يخدمه حتى آخر يوم في الميدان، وظل يحمله معه بعد أن غادره. إنه الفريق المتقاعد ثابت محمد المهنا، رجل تعرفه الكويت ويعرفها، حتى تكاد تشعر أنها استوطنت في داخله قبل أن يستوطنها أجداده منذ القدم.
ولهذا الرجل حكاية كتبتها أكثر من أربعة عقود من العطاء والمواقف والأحداث، وشهدت عليها مسيرته في ميادين العمل الأمني وخدمة الوطن، لتبقى سيرة "أبو محمد" حاضرة بما تحمله من تجربة وملامح قيادة، ومسيرة يمكن أن تكون نبراساً لشاب يبحث عن القدوة، ولكل طامح يسعى إلى الريادة.
وعاصر الفريق المهنا، خلال توليه عدداً من المناصب في وزارة الداخلية، مراحل مهمة من تاريخ الكويت، في مسيرة حافلة بالعطاء والإنجاز، وصولاً إلى تقاعده برتبة فريق.
وفي عام 2014، عُيّن محافظاً للعاصمة، حاملاً معه خبرة سنوات طويلة وروح المسؤول الميداني، إذ كان يرى في العاصمة واجهة الكويت وقلبها التجاري والتاريخي. وحضر خلال تلك المرحلة في العديد من المناسبات الوطنية والاجتماعية، وظل متابعاً لقضايا المحافظة ومرافقها، مستنداً إلى خبرته الأمنية والإدارية الطويلة.
وهكذا لم تكن مسيرة ثابت محمد المهنا مجرد انتقال بين الرتب والمناصب، بل حكاية رجل ظل ثابتاً على مبدأ واحد:"ان خدمة الكويت مسؤولية لا تنتهي بانتهاء المنصب، وأن أثر الرجل يبقى بما يتركه من سيرة ومواقف في ذاكرة الناس والوطن".