ارتبط أهل الكويت، والخليج قديماً، بالنجوم، يستدلون بها على المواسم، وتغير الأجواء، ومن أشهرها "نجم سهيل"، الذي ارتبط ظهوره بانكسار شدة القيظ تدريجياً، والتحول في المواسم، حتى تناقلت الأجيال المثل الشعبي: "إذا دلق سهيل…لا تأمن السيل".
ومع أواخر أغسطس يبدأ ظهور"سهيل" في الجزيرة العربية، وكان الأولون يستبشرون به، بعد صيف شديد الحرارة، ويراقبون ما يصاحبه من تغيرات في الطقس، والرياح، والمواسم.
ولم تكن بين أيدي أجدادنا أقمار اصطناعية، ولا تطبيقات للطقس ولا خرائط للأرصاد، لكنهم امتلكوا خبرة تراكمية؛ قرأوا السماء، وراقبوا الرياح، وعرفوا النجوم، وربطوا تغير الفصول بحياتهم في البر والبحر، والسفر.
وبالطبع، فإن ظهور "سهيل" لا يعني أنه يسبب المطر، أو تغير الطقس، إنما يتزامن ظهوره مع مرحلة من التحول الموسمي.
لكن المثل "إذا دلق سهيل لا تأمن السيل"، يحمل معنى أبعد من الطقس؛ ففيه حكمة تقول: لا تغتر بهدوء اللحظة، وكن مستعداً للمتغيرات.
وهذه الحكمة نحتاجها اليوم في حياتنا، ومؤسساتنا وأوطاننا. فكما كان أجدادنا يقرأون إشارات الطبيعة، قبل تغيرها، فإن الإدارة الحديثة الناجحة تقرأ المؤشرات قبل الأزمات، وتستشرف المخاطر قبل وقوعها، وتضع خططها قبل أن تفرض المتغيرات نفسها.
لقد تغيرت الأدوات، لكن قيمة الاستعداد والاستشراف لم تتغير.
أجدادنا كانوا ينظرون إلى السماء لمعرفة القادم، ونحن اليوم نملك البيانات، والذكاء الاصطناعي، ومراكز الأبحاث وأنظمة الإنذار المبكر؛ ولذلك فإن مسؤوليتنا في الاستعداد أصبحت أكبر.
وفي عالم سريع التغير، ربما نحتاج إلى استعادة حكمة ذلك المثل القديم، ليس بوصفه تنبؤاً بالطقس، بل ثقافة في التعامل مع المستقبل: راقب المؤشرات، واستعد للمتغيرات، ولا تنتظر السيل حتى يبدأ.
فما أجمل تراثنا حين لا نكتفي بحفظه، بل نحوله إلى حكمة تساعدنا على صناعة المستقبل.