في زمنٍ لم يعد يفصلنا عن الآخرين سوى ضغطة زر، أصبحنا نعيش مفارقة اجتماعية لافتة؛ نتواصل أكثر، لكننا أحياناً نشعر بالوحدة أكثر. نعرف أخبار من حولنا لحظة بلحظة، ونرى صورهم ومناسباتهم، وسفراتهم، لكننا قد لا نعرف ما الذي يؤلمهم فعلاً، أو ما الذي يشغل قلوبهم.
لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي شكل العلاقات بين الناس. سهّلت الوصول، وقربت البعيد، وفتحت أبواباً واسعة للتعارف وتبادل المعرفة. لكنها في الوقت نفسه جعلت بعض العلاقات سطحية، وأصبح عدد المتابعين أحياناً أهم من عدد الأشخاص، الذين يمكننا الاعتماد عليهم وقت الحاجة.المشكلة ليست في التقنية نفسها، إنما في الطريقة التي نستخدمها بها. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى علاقة حقيقية يشعر فيها أنه مسموع ومقدّر، ويحتاج إلى صديق يستطيع أن يجلس معه دون أن ينشغل كل واحد منهما بهاتفه. يحتاج إلى زيارة بلا مناسبة، ومكالمة بلا هدف، وسؤال صادق لا تكون إجابته مجرد: "الحمد لله". ومن أجمل ما يمكن أن نعيده إلى حياتنا الاجتماعية هو ثقافة السؤال عن الآخرين. اسأل عن صديق غاب، تواصل مع قريب انقطعت أخباره، زر كبيراً في السن يحتاج إلى الأنس، واحتضن أبناءك بالكلمة، قبل أن تبحث لهم عن الأشياء. فالكثير من الناس لا يحتاجون منا حلولاً عظيمة، بل يحتاجون أن يشعروا أنهم ليسوا وحدهم.
وفي المقابل، علينا أن ننتبه إلى خطورة المقارنات التي تصنعها مواقع التواصل. فما نراه من حياة الآخرين ليس بالضرورة حياتهم كاملة؛ نحن نرى اللحظة الجميلة، ولا نرى القلق الذي سبقها، ولا الظروف التي جاءت بعدها. لذلك فإن مقارنة حياتنا الواقعية، بصور الآخرين المنتقاة، قد تجعل الإنسان يشعر أنه أقل نجاحاً أو سعادة، رغم أن الحقيقة قد تكون مختلفة تماماً. إن المجتمع القوي لا يُقاس فقط بحجم اقتصاده، أو سرعة تطوره، إنما بمدى ترابط أفراده، ووقوف بعضهم مع بعض، واحترام الكبير، ورعاية الضعيف، ومساندة المحتاج، وحفظ الود بين الناس.
وقد نحتاج اليوم، وسط هذا التسارع الكبير، إلى أن نتعلم من جديد قيمة الأشياء البسيطة: جلسة عائلية بلا هواتف، زيارة مفاجئة لصديق، كلمة تقدير لموظف، شكر لمن أحسن إلينا، واعتذار لمن أخطأنا بحقه. ففي النهاية، ليست أجمل العلاقات هي التي تظهر كثيراً أمام الناس، إنما تلك التي تبقى صادقة عندما لا يرانا أحد.
ربما نحتاج أن نتواصل أقل عبر الشاشات، وأكثر عبر القلوب؛ لأن الإنسان مهما تطورت وسائل التواصل من حوله، سيبقى محتاجا إلى إنسان آخر يشعر به.