في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل جزءاً أساسياً من علاقاتنا اليومية، ظهر سلوك يتكرر بشكل لافت، خصوصاً في العلاقات العاطفية والصداقات، وهو ما يُعرف بالـ"Ghosting"، أو"الاختفاء المفاجئ".
يبدأ الأمر بتواصل مستمر، رسائل يومية، اهتمام واضح، وربما وعود وخطط، ثم فجأة صمت تام. لا رسالة، لا تفسير، ولا حتى كلمة وداع. لكن لماذا يختار بعض الأشخاص الاختفاء، بدلاً من قول جملة بسيطة:"لا أريد الاستمرار"؟
قد يبدو الـ"Ghosting" للوهلة الأولى تصرفاً يدل على عدم الاهتمام، لكن خلفه أحياناً أسباب، نفسية وسلوكية، أكثر تعقيداً. فهناك أشخاص يجدون صعوبة كبيرة في المواجهة، ويشعرون أن الهروب أسهل من الدخول في حوار، قد يحمل مشاعر غضب أو حزن أو لوم. بالنسبة لهم، الضغط على زر الحظر، أو التوقف عن الرد، أسهل بكثير من تحمّل مسؤولية قرارهم ومواجهة أثره على الطرف الآخر.
وهناك أيضاً من لا يمتلك النضج العاطفي الكافي، لإنهاء العلاقة بطريقة واضحة ومحترمة. فالنضج لا يظهر فقط في طريقة دخولنا إلى حياة الآخرين، بل أيضاً في الطريقة التي نخرج بها منها. من حق أي شخص أن يغير رأيه، أو يفقد اهتمامه، أو يقرر عدم الاستمرار، لكن احترام الطرف الآخر يقتضي أن يوضح ذلك، حتى ولو بكلمات قليلة.
المشكلة الحقيقية في الاختفاء المفاجئ ليست فقط في انتهاء العلاقة، إنما في حالة التساؤل التي يتركها وراءه. يبدأ الطرف الآخر في مراجعة التفاصيل: ماذا قلت، ماذا فعلت، هل أخطأت، هل حدث شيء؟
وقد يتحول غياب الإجابة إلى لوم للذات، خصوصاً عندما يأتي الاختفاء بعد فترة من التواصل المكثف.
واللافت أن وسائل التواصل الحديثة جعلت هذا السلوك أسهل. ففي السابق، كان إنهاء العلاقات يتطلب مواجهة، أو اتصالًا على الأقل، أما اليوم فيمكن للإنسان أن يختفي بضغطة واحدة: حذف، إلغاء متابعة، حظر، وانتهى الأمر بالنسبة له. لكن ما ينتهي تقنياً خلال ثوانٍ قد يحتاج الطرف الآخر وقتاً طويلاً حتى يفهمه ويتجاوزه.
وهنا يجب أن نتذكر أمراً مهماً: عندما يختفي شخص من حياتك دون تفسير، لا تجعل غيابه يتحول إلى محاكمة لنفسك. قد تكون لديك أخطاء مثل أي إنسان، لكن طريقة الآخر في إنهاء العلاقة تعكس أيضاً قدرته هو على التواصل والمواجهة، وتحمل المسؤولية.
وفي المقابل، علينا ألا نضع كل حالات الانقطاع تحت مسمى الـ"Ghosting"؛ ففي العلاقات المؤذية، أو التي يشعر فيها الشخص بالخوف أو عدم الأمان، قد يكون قطع التواصل ضرورة لحماية النفس.
أما في العلاقات الطبيعية، فالكلمة الواضحة تظل أكثر احتراماً من الصمت. ربما لا نستطيع دائماً أن نمنح الآخرين النهاية التي يريدونها، لكن بإمكاننا أن نمنحهم الوضوح الذي يستحقونه.
فالرحيل حق.. ولكن الطريقة أخلاق.
مدرب حياة معتمد واستشاري علم الشخصيات والعلاقات العامة