رشَّةٌ... حفنةٌ... قليل... حتى يستقيم اللون أو تفوح الرائحة... "النونا" لا تقيس
قصة مطبخ جذوره إيطالية وفكرته عبرت إلى ثقافات منها العربية والخليجية
الإيطالي تيودورو ميفالوبولوس أحد مؤسسي "منصة التراث الطهوي" يتطلع لعولمة التجربة
طموح انتشار بأكثر من 20 دولة مع حفظ خصوصية الاختلافات الإنسانية والثقافية
بعض الوصفات لا تضيع بنسيان مكوناتها بل برحيل آخر شخص كان يعرف كيف يصنعها
بعض الوصفات لا تضيع لأن أحداً نسي مكوناتها، بل لأنها رحلت مع آخر شخص كان يعرف كيف يصنعها.
لم تكن مكتوبة في دفتر، ولا محفوظة بمقادير دقيقة، وإنما عاشت في ذاكرة جدة تعرف من رائحة القدر متى ينضج الطعام، ومن ملمس العجين متى يتوقف العجن، ومن نظرة واحدة كم يحتاج الطبق من الملح. وحين تغيب تلك اليد، قد يغيب معها مذاق ظل حاضراً على مائدة العائلة لعقود.
هذه الخسارة الهادئة هي التي دفعت تيودورو ميفالوبولوس، أحد مؤسسي منصة التراث للطهي "أنانا" (anana)، إلى التفكير في مشروع لا يريد أن يحفظ الوصفة وحدها، بل الإنسان الذي يقف خلفها أيضاً: صوته، وطريقته، وحكاياته، والمطبخ الذي صُنعت فيه أجيال من الذاكرة.
وفي حديث أجراه مدير تحرير"أراب تايمز" الزميل مارلون أكينو ماليناو، روى ميفالوبولوس كيف وُلدت فكرة "أنانا" من ذكريات الطفولة وفقدان أفراد من عائلته، وتحدث عن الحكمة التي يحملها الأجداد في المطبخ، وعن طموحه لنقل التجربة إلى ثقافات ودول تتجاوز إيطاليا. فبالنسبة إلى "أنانا"، الطبق ليس مجرد مكونات وطريقة إعداد، وإنما قصة عائلة يمكن أن تختفي إذا تأخر أحد في طرح سؤال بسيط: كيف كنتِ تصنعين هذا الطبق؟
مؤسسا "Anana" بليك وتيودورو أثناء التصوير في أوليينا بسردينيا حيث تعلّما أطباقاً محلية
على أيدي ثلاث جدات
وصفة تضيع... وحكاية ترحل
لم تولد الفكرة من اجتماع عمل أو خطة مكتوبة، بل نمت بهدوء من الطفولة والذاكرة والفقد.كان أجداد ميفالوبولوس وراء تعلقه المبكر بالطعام والطهي، وكان مطبخ العائلة مكاناً لا تُحضّر فيه الوجبات فقط، بل تنتقل فيه المعرفة من جيل إلى آخر بالمشاهدة والممارسة، من دون وصفات مطبوعة أو تعليمات صارمة. لكن مع تقدّم أجداده في العمر ورحيل بعضهم، أدرك أنه لم يكن يفقد أشخاصاً فقط، بل وصفات أيضاً؛ أطباقاً لم يتوقف أحد طويلاً بما يكفي لتدوينها أو تسجيل طريقتها.
ومن هنا ظهر السؤال الذي تحول لاحقاً إلى جوهر المشروع: هل يمكن حفظ هذه الوصفات العائلية على نطاق واسع من دون أن تفقد عفويتها والحميمية التي صنعتها؟
ويتذكر ميفالوبولوس محاولة فاشلة لإعادة إعداد طبق روماني تقليدي من الطماطم الصيفية المحشوة بالأرز والمخبوزة مع البطاطا. لم تكن المشكلة في المكونات، بل في تلك التفاصيل الدقيقة التي يعرفها الأجداد ولا تظهر في الوصفة المكتوبة؛ توقيت، ولمسة، وإحساس بالنضج لا يمكن اختزاله بسهولة في أرقام.
وهذه "اللمسة" أصبحت واحدة من الأفكار المركزية التي تقوم عليها "أنانا".
لماذا "النونا"؟
تقف الـ"Nonna"، أي الجدة بالإيطالية، في قلب فلسفة "أنانا"؛ فهي لا تمثل فرداً كبيراً في السن داخل العائلة فحسب، بل خبرة تراكمت عبر عقود من الممارسة والذاكرة والحدس.
وفي زمن تهيمن فيه على المحتوى الغذائي صور الأطباق المثالية، والطهاة المحترفون، والمؤثرون ومقاطع الفيديو السريعة، تختار "أنانا" أن تنظر إلى مكان مختلف: إلى الجدة، والطاهي المنزلي، والشخص الذي كرر إعداد الطبق نفسه مئات المرات حتى أصبحت يداه تعرفان ما ينبغي فعله قبل أن تقوله الوصفة.
ويرى ميفالوبولوس أن الاتقان لا يحتاج دائماً إلى شهادة أو مطبخ احترافي؛ فهناك معرفة تُكتسب بالتكرار والذاكرة والحواس، وتبقى مهددة بالاختفاء إذا لم تجد من يوثقها.
ولهذا لا تنتزع "أنانا" الوصفة من سياقها لتضعها في قائمة مكونات وخطوات، بل تصور أصحاب الوصفات في منازلهم ومطابخهم، وتترك للصوت والمكان والعادات والإيماءات أن تكون جزءاً من الحكاية.فالطبق نصف القصة فقط، أما النصف الآخر فهو الشخص الذي يصنعه.
لا توجد وصفة واحدة صحيحة
رغم الجذور الإيطالية، فإن الفكرة التي تحملها تتجاوز حدود إيطاليا. فمعرفة الطهي الشفهية موجودة في ثقافات كثيرة، ومنها المجتمعات العربية والخليجية التي انتقلت فيها وصفات البيوت من جيل إلى آخر بالممارسة لا بالكتب. وفي الكويت، يمكن أن تختلف وصفات المجبوس والمطبق وأطباق الزبيدي من منزل إلى آخر؛ عائلة تستخدم خلطة بهارات معينة، وأخرى تعتمد طريقة مختلفة في الطهي، وجدة تضيف مكوناً لا يظهر في أي كتاب لكنه يمنح الطبق مذاقه الذي تعرفه الأسرة جيداً.
وبالنسبة إلى ميفالوبولوس، لا توجد بالضرورة وصفة وحيدة يمكن وصفها بأنها الصحيحة. فلكل عائلة نسختها، وهذه الاختلافات ليست أخطاء ينبغي تصحيحها، بل بصمات تكشف أثر المكان والذاكرة والعائلة والزمن.
ومن هنا يتخيل "أنانا" مساحة يمكن أن تقف فيها جدة كويتية إلى جانب جدة فلبينية وأخرى هندية، لكل واحدة طبقها وحكايتها والطريقة التي تشكل بها الطعام داخل عائلتها.
أصالة
في عالم تمتلئ فيه شبكة الإنترنت بالوصفات المجانية المدعومة بالإعلانات والتسويق والروابط التجارية، اختارت "أنانا" نموذجاً مختلفاً.
يقول ميفالوبولوس إن الفريق قرر منذ البداية عدم الاعتماد على الإعلانات والتسويق بالعمولة، خشية أن يؤثر ذلك مع مرور الوقت في هوية المشروع وتجربة المستخدم، ولذلك اختارت المنصة نموذج الاشتراك المدفوع.ولا يخدم الاشتراك استمرارية المنصة فحسب، بل يتيح أيضاً تعويض الأجداد وأصحاب الوصفات الذين يقدمون معرفتهم وخبراتهم للمشروع.
الفكرة هنا واضحة: إذا كانت الوصفة العائلية تحمل معرفة تراكمت على مدى سنوات وربما عمر كامل، فإن صاحب هذه المعرفة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مجرد محتوى، بل مصدر للحكاية وجزء من التراث نفسه. وتطمح "أنانا" على المدى الطويل إلى التوسع في أكثر من 20 دولة، مع الحفاظ على خصوصية القصص وعدم السماح للنمو بأن يحولها إلى محتوى موحد يفقد اختلافاته الإنسانية والثقافية.
عندما لا تحتاج الجدة إلى ميزان
تعتمد الوصفات الرقمية الحديثة على الدقة: غرامات، درجات حرارة، أزمنة طهي، وسعرات وقيم غذائية. لكن مطبخ التراث لا يخضع دائماً لهذه اللغة.
"رشة"، "حفنة"، "قليل"، حتى يصبح اللون مناسباً، حتى تفوح الرائحة... عبارات قد تبدو فضفاضة في وصفة حديثة، لكنها كانت لغة مفهومة لأجيال كاملة من الطهاة المنزليين.
فالجدة لا تحتاج دائماً إلى معرفة ما إذا كانت أضافت أربعة غرامات أو خمسة، لأنها تعرف النتيجة التي تبحث عنها، وتستعين بالصوت والرائحة والملمس واللون لتقرر متى أصبح الطبق جاهزاً. وتتبنى المنصة هذه الروح حتى في طريقتها المرحة في الحديث عن القيم الغذائية، إذ تذكّر بأن "النونا لا تقيس... ونحن كذلك".
وراء الدعابة فكرة أكثر جدية: بعض المعرفة لا تسكن في الجداول، بل في الحواس والخبرة؛ في صوت البصل حين يبدأ بالتحمير، ورائحة الثوم عندما يتغير لونه، وملمس العجين بين الأصابع، وتلك اللحظة التي يعرف فيها الطاهي أن الصلصة وصلت إلى القوام الصحيح.
أكثر من وجبة
لا تريد "أنانا" أن يخرج المستخدم منها بعشاء ناجح فقط. فكل طبق يصاحبه سياق تاريخي وثقافي مختصر تحت عنوان "Recipe Roots"، يعرّف بأصل الوصفة وما تمثله والبيئة التي خرجت منها. وهكذا تتحول الوصفة إلى باب يفتح على حكايات أوسع: هجرة، وزواج، وطفولة، وقرية بعيدة، ومناسبة دينية، أو عائلة حملت تقاليدها معها من بلد إلى آخر.
قد تكشف وصفة عن جدة تعلمت الطبخ من أمها، أو عن أسرة اضطرت إلى تعديل طبق قديم بعد الانتقال إلى بلد جديد، أو عن طريقة إعداد لا تزال حية داخل منزل واحد فقط.عندها يصبح الطعام وعاء للذاكرة، ويصبح الطبق تاريخاً يمكن تذوقه وثقافة تُقدّم على المائدة.
الأسئلة التي نتأخر في طرحها
وللأجيال الأصغر التي تخشى ضياع وصفاتها العائلية، يقدم ميفالوبولوس نصيحة لا تحتاج إلى تطبيق أو اشتراك: اجلسوا مع أجدادكم، اسألوهم، استمعوا إليهم، واكتبوا الوصفات قبل أن تختفي.
ففي عصر الهواتف الذكية والتخزين السحابي والأرشيفات الرقمية الهائلة، قد تبدأ عملية حفظ وصفة عائلية بطريقة أبسط بكثير: الجلوس أمام شخص نحبه وطرح سؤال واحد: كيف كنت تصنع هذا الطبق؟ قد تكون الإجابة وصفة، لكنها قد تقود أيضاً إلى حكاية عن زفاف قديم، أو بيت طفولة، أو رحلة شاقة، أو احتفال عائلي، أو شخص لم يعد موجوداً ليحكي قصته بنفسه.
وهذا، ربما، هو ما تحاول "أنانا" حفظه في النهاية: ليس تعليمات إعداد طبق فحسب، بل التاريخ الإنساني الذي يغلي بهدوء خلفه.
فالوصفات يمكن نسخها، والتقنيات يمكن تعليمها، والمكونات يمكن استبدالها، لكن صوت الجدة، وإيقاع يديها، والقصة التي تقف خلف الطعام الذي صنعته لعائلتها، أشياء أصعب كثيراً في الاستعادة إذا ضاعت. وأحياناً، لا يحتاج حفظ قطعة من التراث إلى أكثر من أن نسأل قبل فوات الأوان.
أمضت الجدة ليليانا أمسية وهي تستعرض بمنصة "anana" أشهر أنواع المعكرونة التي تصنعها يدوياً
في مونتيسكاغليوسو ببازيليكاتا تعلّم الجدة كارميلا طريقة إعداد الفلفل المخبوز بفتات الخبز
التسوّق مع الجدة آنا قبل إعداد طبقها الشهير من الطماطم المحشوة بالأرز
الجدة إيليجيا
الجدة أنطونييتا تعد تاكوني لوكيزي المعكرونة المربعة في لوكا بإقليم توسكانا
في أوليينا بجزيرة سردينيا تعلّمنا الجدة ماريا إعداد "كاسولا"
مؤسسا "Anana" بليك وتيودورو أثناء التصوير في أوليينا بسردينيا حيث تعلّما أطباقاً محلية
على أيدي ثلاث جدات
الجدة آنا تشرح طريقة إعداد الـ"نيوكي" يدوياً
في أوريستانو بسردينيا تعلّم الجدة كيارا إعداد حلوى غويفوس المحلية
"أنانا" في سطور
منصة طهي تراثية رقمية أطلقت في 2024 وتهدف إلى توثيق وصفات الأجداد والقصص المرتبطة بها، من خلال تسجيل أصحاب الوصفات في بيئاتهم المنزلية، بدلاً من الاكتفاء بالمقادير وطريقة التحضير، وتطمح إلى نقل التجربة لأكثر من 20 دولة.
الفكرة الأساسية
الوصفة ليست مجرد مكونات. ترى "أنانا" أن اختلاف الوصفات بين العائلات والمناطق ليس خطأً يجب تصحيحه، بل جزء من التراث يكشف أثر الجغرافيا والذاكرة والعادات وتاريخ كل عائلة.
المجبوس... بصمة البيت الكويتي
المجبوس والمطبق وأطباق السمك أمثلة على أطعمة يمكن أن تختلف طرق إعدادها ومكوناتها من منزل إلى آخر، وهو ما يجعل المطبخ الكويتي بيئة غنية لتوثيق التنوع في وصفات الطعام المنزلية.
نصيحة ميفالوبولوس
"اسأل قبل فوات الأوان"، الجلوس مع الأجداد والاستماع إلى قصصهم وتسجيل وصفاتهم قد يحفظ جزءاً من تاريخ العائلة قبل أن يختفي برحيل أصحابه.
ترجمة: سوزان ناصر