الأحد 23 أغسطس 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
عامٌ على أبي
play icon
كل الآراء

عامٌ على أبي

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 23 أغسطس 2026
د.سامي العدواني

لو كانت هناك عبارة واحدة، تمنيت أن تصل إلى والدي وهو في قبره، لكانت: "إحنا بخير".

عامٌ مضى على رحيله، ولا نزال نتعلم كيف نواصل تدبير شؤوننا، ونعزز تعاضدنا وصمودنا، ونتعاهد برّه، ونتذاكر سيرته، ونحيي عاداته وسننه الطيبة، ونواصل الوفاء لمن صادقه وأحبّه في حياته.

مرّ عام على أبي، وما زلت أشعر أن الكلام الذي كان ينبغي أن أقوله له قبل أن يرحل لم يتدفق بعد. شيء في داخلي يشبه "الغصة" كلما ظننت أنها هدأت عادت لتذكرني أن الفقد لا ينتهي حين ينتهي الرحيل.

كنت أظن أنني حاولت برّه كما ينبغي... خففت من تواصلي الاجتماعي وحضوري العام، وأعدت ترتيب بعض شؤوني لأفسح وقتاً أكون فيه إلى جواره، وأنيس نهاره ومسائه، خصوصاً في سنواته الأخيرة.

حملت عهداً داخلياً أن أرد له شيئاً من جميل عمره الذي بذله من أجلنا، وأشهد أن من إخوتي من سبقني إلى هذا العهد، وقدم ما فاقني، فزاد ذلك من خجلي أمام شعوري بالتقصير.

وحين رحل اكتشفت أن الإنسان، مهما أعطى من يحب، سيبقى يشعر أنه كان يستطيع أن يعطي أكثر، إنها من أقسى صور الفقد حين ينتهي الوقت، ويبقى في القلب الكثير مما لم يجد مساحته للتعبير.

وخلال الأسابيع الخمسين التي مضت من هذا العام، لم تنقطع زيارتي لقبره، كنت أقف داعياً ومترحماً، وأحدث نفسي عنه أكثر مما أحدثه... لم تكن زيارة القبر بالنسبة لي مجرد زيارة واجب، كانت امتداداً لتلك الصحبة، التي لم أكن مستعداً، ولم أتعلم كيف أتعامل مع فجأة الانقطاع ولا فجوة الفقد.

ثم جاءت أمي التي دخلت المستشفى قبل وفاة أبي بأسبوع، وبقيت حتى رحيلها بعده بشهور، تأملت عميقاً قدر الله أنها لم تكن تعلم أن رفيق عمرها قد سبقها إلى الرحيل، حتى فارقت بعده، وهكذا لم أجد نفسي أمام فقد واحد، إنما أمام بابين أُغلقا تباعاً، وفي كل باب شيء من عمري وذاكرتي، والبيت الذي عرفت فيه معنى الأب والأم.

ومع الوقت أدركت أن صوت التقصير لا يسكت، ليس لأننا لم نفعل ما نستطيع، إنما لأن الإنسان مع من يحب لا يرى ما فعل، إنما يرى دائماً ما كان يتمنى أن يفعل.

أسأل نفسي أحياناً: أهو تأنيب للنفس أم وجه آخر من وجوه الحب والبر؟ وربما يكون الجواب: أن بعض الإحساس لا يحتاج إلى علاج بقدر ما يحتاج إلى أن يتحول إلى عمل.

ما زلت أتذكر كلماتك كلما أولمت، أو أعطيت، كنت تردد "ثواب لموتانا"، لقد علّمتني في حياتك، وبعد غيابك أكثر، أن البر ليس موقفاً عابراً، ولا كلمات تقال في المناسبات.

البر أن تحفظ ما أحبوه فيك، وأن تواصل ما بدأوه، وأن تكون صالحاً في نفسك، نافعاً للناس، مستقيماً في سلوكك، وأن يبقى أثرهم حياً فيك.

أبي… سامحني عن كل تقصير، وعن كل كلمة طيبة تأخرت، وعن كل وقت ظننت أن الأيام ستمنحني فرصة أخرى لأعوضه. لقد كشفت لي الأيام، بعدك، أن الوقت لا يضمن لنا شيئاً.

أما أمي، فأسأل الله أن يجمعكما في رحمته كما جمعكما في الدنيا.

عام مضى يا أبي، وما زلت أزورك، لكنني اليوم لا أزور قبرك لأترحم عليك فقط. أزوره لأتذكر من كنت، ومن كنت أنا حين كنت بيننا.

رحمك الله يا أبي، ورحم أمي.

وعهدي أن يتحول هذا الحزن إلى أمانة في سلوكي، وبرّ في عملي، وخير يمتد منكما إليَّ، ومني إلى من حولي.

فربما يكون أجمل وفاء للراحلين… أن نواصل الحياة كما كانوا يحبون أن نعيشها.

$ خبير استدامة

آخر الأخبار