الأحد 23 أغسطس 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الحكم على القرار
play icon
كل الآراء

الحكم على القرار

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 23 أغسطس 2026
سامي عبدالمحسن الرويشد

عند الإشارة الأخيرة قبل أن يفترقا، كان كل واحد منهما واثقاً من الطريق الذي اختاره. أحدهما اتجه إلى الطريق المعتاد؛ أطول قليلاً، لكنه أكثر وضوحاً وأقل مفاجآت.

أما الآخر فأشار إلى منعطف جانبي، وقال إن لديه طريقاً أقصر، ثم ابتسم قبل أن تتحرك السيارات: "لِنَرَ أيُّنا يصل أولاً".

وصل فعلاً قبله.

وحين دخل صديقه بعد دقائق، استقبله بابتسامة المنتصر وقال: "قلت لك". بدت العبارة في مكانها تماماً؛ فقد اقترح طريقاً، واختاره، ثم وصل أولاً. ماذا نحتاج أكثر من النتيجة لإثبات أنه كان على صواب؟

لكن شيئاً صغيراً غاب عن ذلك الانتصار. الطريق المختصر لم يكن أسرع في العادة، بل صادف أن إحدى إشاراته كانت خضراء، وأن الشارع الذي يسلكه عادة خلا تلك الليلة من ازدحامه المعروف. وفي الجهة الأخرى، وقع حادث بسيط عطّل الطريق المعتاد دقائق إضافية. لم يكن أحد منهما يعرف شيئاً من ذلك عندما افترقا.

لم يتغير الطريقان، لكن النتيجة منحت أحد القرارين حكمة لم يكن يملكها وحده.

فنحن نملك ميلاً غريباً إلى محاكمة القرارات من نهاياتها. إذا نجح القرار منحنا صاحبه صفة الحكمة، وإذا فشل بحثنا في منطقه عن الخطأ. وكأن النتيجة شهادة تكشف جودة التفكير الذي سبقها، مع أن الحياة لا تسلّمنا نتائج مصنوعة من قراراتنا وحدها؛ فالصدفة، والتوقيت، وتصرفات الآخرين، وما لم نكن نعرفه، كلها تدخل معنا إلى خط النهاية.

والأخطر أننا لا نفعل ذلك مع الآخرين فقط، بل مع أنفسنا أيضاً. فقد نعيد اختياراً سابقاً لمجرد أنه نجح مرة، ونمنحه ثقة لم يكتسبها بمنطقه، بل بنتيجته. وهكذا تتحول المصادفة، بعد تكرارها في الذاكرة، إلى خبرة نظن أننا صنعناها بأنفسنا.

لهذا قد يتخذ شخص قراراً متهوراً وينجو، فيتعلم منه درسا خطيرا: أن تهوره كان صوابًا. وقد يتخذ آخر قراراً مدروساً ثم يخسر بسبب ما لم يكن ممكناً توقعه، فيبدأ بالشك في منهج كان سليماً. وهنا لا تخدعنا النتيجة مرة واحدة؛ بل قد تعلّمنا كيف نكرر القرار الخطأ، ونتجنب القرار الصحيح.

لا يعني ذلك أن النتائج لا تهم، فهي الاختبار الذي لا يمكن تجاهله. لكن الحكم الناضج يحتاج سؤالاً يسبقها: ماذا كان يعرف صاحب القرار لحظة اتخذه، وما البدائل التي كانت أمامه، وهل كان اختياره منطقياً وفق ما كان متاحاً آنذاك؟

ربما لم يكن أحد الصديقين مخطئاً في الطريق الذي اختاره. لكن الفائز الحقيقي لم يكن بالضرورة من وصل أولاً. فالنتيجة تخبرنا بما حدث، أما جودة القرار فتخبرنا إن كان يستحق أن نكرره.

$ كاتب كويتي

آخر الأخبار