درجت، بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، مقولة في عالم السياسة الدولية، إن "الشرق الأوسط أرض الفرص الضائعة"، وكانت هذه العبارة دلالة على فشل ذلك المؤتمر.
يومها، كانت سورية في موقع يؤهلها فرض الانسحاب الإسرائيلي من الجولان المحتل، لكن للأسف بدلاً من ذلك، دخلت في دهليز الشعارات، ونُقل يومها عن الرئيس الراحل حافظ الأسد قوله: "كنت أسبح في بحيرة طبريا، وسأعود أسبح فيها"، فيما كانت تل أبيب قد ضمت الجولان عام 1981، أي قبل ذلك المؤتمر بعشر سنوات، بينما كانت دمشق مستمرة في خطها السياسي الشعاراتي، لأن المتاجرين بالقضية الفلسطينية كانوا أكثر قوة من الواقعيين العرب.
منذ العام 1974، جرت مياه سياسية كثيرة في نهر بردى السوري، ولم تستفد دمشق منها، لأنها اعتمدت سياسة الرفض، وكان ردها قبل ذلك بسنوات، حين أبرمت مصر معاهدة "كامب ديفيد"، وعقدت السلام مع إسرائيل، وتشكيل "جبهة الصمود والتصدي" التي اكتفت بالشعارات، بينما لم تقدم لسورية أي شيء.
على العكس من ذلك، كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات أكثر حنكة، فهو اقتنع بأن وجود إسرائيل أصبح أمراً واقعاً، وأن السلام قاتلها، وانسحابها من الأراضي العربية المحتلة، عبر معاهدات صلح، هو الأساس الذي يمهد الطريق لحصرها في حدود طبيعية، طالما أنها لم تحدد حدودها منذ العام 1948.
النهج الذي سار عليه السادات جلب لمصر السلام والاستقرار، بينما لم تتخل عن القضية الفلسطينية، إلا أنها أوقفت متاجرة الفصائل بها مصرياً، بينما سورية استمرت على نهجها، وتكبدت الكثير من الخسائر، وعاشت حصاراً اقتصادياً شاملاً منذ العام 1979، حتى سقوط نظام بشار الأسد.
إن هذه اللمحة التاريخية عن الواقع السوري، لا بد أن تكون في ذهن الرئيس السوري أحمد الشرع، كي لا يسقط في فخ الفصائل المتاجرة بالقضية، لأن بلاده اليوم بحاجة إلى كل دعم، عربي ودولي، ولهذا فإن استمرار المفاوضات مع إسرائيل لاستعادة الأراضي المحتلة الحل الأمثل، فالمتابع للأحداث منذ الأعوام 1948 و1956 وكذلك 1967، حتى العام 1973، يدرك تماماً أن المجتمع الدولي لن يسمح بسقوط إسرائيل.
لهذا، فإن معاهدة "كامب ديفيد" بين القاهرة وتل أبيب، وكذلك "اتفاق وادي عربة" الأردني- الاسرائيلي، كانا حجر الزاوية في فرض السلام على إسرائيل، خصوصاً لجهة اعترافها بالحدود الطبيعية لكلتا الدولتين.
على هذا الأساس، لدى سورية، اليوم، فرصة أن تعيد أرضها واستقرارها، ومنع التدخل في شؤونها، من أي جهة كانت، إذا عملت على كف أيدي المتاجرين بالقضية الفلسطينية من جهة، وسعت أيضا إلى استرداد أرضها المحتلة بالمفاوضات، وعليها إدراك أن المعادلات، السياسية والعسكرية، دائمة التغير، خصوصاً إذا كان ميزان القوة مختلاً.
التطورات في السنوات القليلة الماضية فرضت على الجميع تغيير قواعد اللعبة، وعلى سورية الجديدة، المحصنة بالتأييد الشعبي الكبير، والأصدقاء العرب، وكذلك الدوائر الدولية الداعمة لاستقرارها، استغلال هذه الفرصة، كي تعود إلى تأدية دورها الإقليمي، بعيداً عن الشعارات، وإصلاح اقتصادها المدمر، ومنع اللعب بوحدة أراضيها من أي جهة أتى ذلك، خصوصاً تلك الأصوات الطائفية والمذهبية الناعقة لفرض أمر واقع جغرافي جديد.
إن ذلك يحتم على الرئيس أحمد الشرع أن يذهب إلى أبعد مدى من أجل مصلحة بلاده المنهكة جراء فساد استمر عقوداً طويلة تحت شعار "التوازن الستراتيجي استعداداً للمعركة الكبرى" التي أدت إلى المزيد من معاناة شعبه، لأن هناك حالياً طبيعة سياسية مختلفة عما كان عليه الوضع عام 1991، ولم يعد الشرق الأوسط أرض الفرص الضائعة.