يمثل إنشاء محاكم، ودوائر اقتصادية متخصصة، الذي أقره مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة، خطوة مهمة نحو تطوير البيئة التشريعية والقضائية، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
فالقضاء الاقتصادي المتخصص لا يقتصر دوره على الفصل في المنازعات التجارية، بل يمثل أحد عناصر البنية الأساسية لبيئة الأعمال الحديثة، لما يوفره من سرعة في حسم النزاعات، وتخصص في التعامل مع القضايا الاقتصادية، ورفع مستوى الثقة في السوق. كما أن القاضي المتخصص يكون أكثر إلماماً بالتعقيدات المصرفية والاستثمارية، والشركات والعقود والمنازعات التجارية.
وتبرز أهمية هذه المحاكم بصورة أكبر بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي، الذي ينظر عند اتخاذ قرار الاستثمار إلى مجموعة من العوامل، من بينها الاستقرار السياسي والاقتصادي، ووضوح القوانين، وسهولة ممارسة الأعمال، والأهم وجود نظام قضائي قادر على حماية الحقوق وتنفيذ العقود.
فكلما كان المستثمر على يقين أن أي نزاع تجاري يمكن حسمه أمام جهة قضائية متخصصة، وبإجراءات واضحة وفعالة، انخفضت المخاطر القانونية التي يضعها ضمن حساباته الاستثمارية.
كما أن سرعة الفصل في المنازعات الاقتصادية، وتنفيذ الأحكام لها آثار مباشرة على الاقتصاد. فالنزاع الطويل قد يؤدي إلى تجميد أموال الشركات، وتعطيل المشروعات، ورفع تكاليف التمويل والتشغيل.
أما القضاء المتخصص والسريع فيساهم في تقليل تكلفة النزاعات، وتحسين حركة رأس المال، ومنح الشركات قدرة أكبر على التخطيط واتخاذ القرارات الاستثمارية.
ومن منظور التنافسية الإقليمية، يمكن للقضاء الاقتصادي المتخصص أن يشكل ميزة إضافية للكويت في المنافسة على استقطاب الشركات، والاستثمارات العالمية.
فالتنافس بين الاقتصادات لم يعد قائماً فقط على الحوافز المالية والبنية التحتية، إنما أصبح يعتمد كذلك على جودة المؤسسات وكفاءة المنظومة القانونية، والقضائية، ومدى سهولة ممارسة الأعمال. أيضا يحسن موقعك في المؤشرات الدولية بربط تحسين بيئة الأعمال بزيادة الكفاءة والشفافية، وتبسيط الإجراءات وتعزيز الاستثمار الخاص.
ويأتي التحول الرقمي ميزة إضافية على القانون، ليعزز أثر هذه المحاكم بصورة كبيرة. فاعتماد التقاضي الإلكتروني، والإيداع الرقمي للمستندات، والإعلانات الإلكترونية، ومتابعة القضايا عن بُعد، واستخدام الأنظمة الذكية في إدارة الملفات والإجراءات، يمكن أن يقلل الوقت والتكلفة، ويرفع كفاءة العمل القضائي.
كما يمكن للبيانات الرقمية أن تساعد في قياس مدد التقاضي واكتشاف نقاط التأخير، وتحسين الأداء بصورة مستمرة.
فإن إنشاء المحاكم الاقتصادية يجب ألا ينظر إليه باعتباره إصلاحاً قضائياً فقط، بل باعتباره مشروعاً اقتصادياً متكاملاً. فنجاحه يتطلب تشريعات واضحة ومستقرة، وإجراءات سريعة وشفافة، وأحكاماً قابلة للتنفيذ، إلى جانب بنية رقمية متطورة. وعند تكامل هذه العناصر، يصبح القضاء الاقتصادي أداة حقيقية لخفض المخاطر، وتعزيز ثقة المستثمر الأجنبي، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم تنافسية الكويت كمركز تجاري واستثماري إقليمي.
$ كاتب كويتي